فهرس الكتاب
ويحسن بنا أن نتحرى أيضًا أصل معنى الإجازة لغة وعلى وجه الدقة حتى نتجنب الالتباس أو الخلط بين المعاني الهامشية أو الثانوية التي تغتني بها هذه المادة اللغوية (جوز) فهذا الأصل ذو دلالة حسية حركية تتصل بالمكان. يقال مثلًا: جاز الموضع"جوازًا"إذا سلكه وسار فيه، ويلخص ابن فارس دلالة هذا الأصل بقوله:"الجيم والواو والزاء أصلان: أحدهما قطع الشيء، والآخر وسط الشيء" (1) والذي يعنينا"هنا": قطع الشيء. أي انتقال المتحرك من موضع كان فيه إلى موضع آخر قاطعًا مسافة ما، قصرت أو طالت. وينطبق هذا الكلام على كل متحرك من إنسان أو حيوان أو غيم أو إعصار أو مركب في الماء أو الفضاء، وربما استعير المعنى للزمن فأُعْطي مفهوم التجسيم والانتقال.. ويقولون في المعاجم وكتب اللغة: أجاز الشيء أو الموضع واجتازه إذا خلّفه وقطعه بعد أن سار فيه، وربما قالوا: تعدّاه، ويستشهدون لذلك بقول امرئ القيس في معلقته:
فلما أجَزْنا ساحة الحَيِّ وانْتَحى * * * بنا بطنُ خَبْتٍ ذي قفاف عَقَنْقَلِ
ويروى: ذي حقاف.. والمجتاز: مُجْتاب الطريق ومُجيزه.. وجوائز الأمثال والأشعار: ما جاز من بلد إلى بلد (2) .. والمجاز والمجازة: المَعْبَر.. وعليه فالجسر أو القنطرة مجازة النهر... فإذا ما تأملت هذه المعاني كلها تجدها حسية الأصل والمنشأ، مادية الدلالة والمفهوم، وارتباط أمثال هذه المفهومات بالجانب الحسي مردّه إلى طبيعة الحياة التي كان يعيشها الإنسان العربي الذي استخدمها، فلقد كانت الحركة وأعمال الأطراف والعضلات أمرًا سابقًا لأعمال العقل الذي كان نشاطه أقل. وبدهي أن هذه الظاهرة الحسية تمثل المرحلة المبكرة التي عرفتها أغلب الأمم القديمة في تاريخها الاجتماعي، وأغلب اللغات في ألفاظها، وتعرف هذه الفترة المبكرة من تاريخ لغات البشر بطفولة العقل ومحدودية مشاغله واهتماماته...