فهرس الكتاب
وإذا ما تتبعنا هذه المعاني المأخوذة من مادة (جوز) في المرحلة الإسلامية وجدنا ألوانًا من الاستخدامات الجديدة، وهذا يعني أمورًا كثيرة، منها: مقدرة لغتنا العربية على استيعاب متطلبات العقيدة الجديدة ومعطيات التفكير الإسلامي، كما يعني أن العربية تتصف بطاقة إبداعية معطاء وقادرة على مواكبة نموّ العقل وتشعب شؤون الحياة، ويعني -فوق هذا- أن مهارة أصحاب اللغة ذاتها وحيوية التفكير عندهم كفيلتان بالاستجابة لمقولة: (الحاجة أم الاختراع) بما يمتلكون من يقظة الذهن وحسن التدبر والتكيف مع الضرورات.. ومن هنا ولّدوا من هذه المادة، أو وظفوها للأغراض الإسلامية فقالوا: تجوزّ فلان في صلاته أي خفّف؛ ومنه الحديث: أسمع بكاء الصبي فأَتَجَوَّزُ في صلاتي، أي أُخفِّفها وأُقلِّلها (3) .. وكثيرًا ما نسمع أو نقرأ في قضايا الفقه والتشريع عما"يجوز"ولا يجوز شرعًا، ويعني ذلك بصورة عامة أنه لا يمضي، أو لا ينفذ، أو لا يُسْمَح بتعدي الحدّ فيه.. وشقوا من هذا الأصل لعلوم البلاغة فقالوا مثلًا: تجوّز في كلامه، أي تكلّم بالمجاز. فكأنه ترك الحقيقة والأصل وانتقل إلى ما يماثلهما، وذلك أمر ذهني من اختصاص العقل التصور، وعليه قالوا: ذلك أمر لا يُجَوَّزه العقل. وقالوا من ذلك في المعاملات الاجتماعية: المُجِيز هو القيّم بأمر غيره، كالولي والوصي وغيرهما.. (3) .
وفي مطلع الفترة الإسلامية عكف العلماء على تتبع العربية خدمة للدين، ووصولًا إلى فهم أسرار التنزيل بالاستعانة بالمعاني اللغوية الأصول. فأفادوا من مادة"جوز"تلك باستخلاص تصورات أو مصطلحات جديدة بأساليب التوليد، والنقل، والتوسع المجازي كما سبقت الإشارة قبل قليل وكقولهم: جاوز فلانٌ فلانًا عن ذنبه إذا لم يؤاخذه به، وتجاوز عن الشيء إذا أغضى أو عَفَا، وجاز العقد: نفذ ومضى على الصحة.. (4) .