فهرس الكتاب

الصفحة 8677 من 23694

ولهذا الغرض يجب أن نرحل إلى جزء من أقل أجزاء العالم شهرة إلى الجزيرة العربية أرض العرب ولعل وصفًا لها يكون شائقًا. سأقتصد في ذلك الحديث معتمدًا على أنكم بلا ريب تلمون بالأمور الجوهرية من قبل بل لعل منكم هنا من يعرف عن الجزيرة العربية ما لا أعرفه. كانت الجزيرة العربية إلى عهد قريب جدًا تعتبر أرضًا من أفقر البلاد على وجه البسيطة. وفي الواقع أن جزءًا واسعًا منها صحراء وقفر يباب مرآها يدعو الوحشة الشديدة. فيا للعجب كيف يلزمنا أن نذهب إلى مثل تلك الأرض البائسة المنبوذة لكي نشهد تجلي الوحي الإلهي الجديد! لاشك أنكم تعرفون ذلك الشأن وحسبي أن أنضِّر ذاكرتكم به.

ولد أبو القاسم محمد القرشي في مكة سنة 570م. ولقد تألم كثيرًا لما كان فيه قومه من الجهل والجشع والقسوة والحاجة إلى الوحدة وإلى الدين. ولما بلغ الأربعين من عمره عام 610 صدع بالنبوة بعد أن اتسعت تجاربه واتقد صدره بالإيمان. وكانت مكة المركز التجاري الرئيسي في شبه الجزيرة العربية، وكان سكانها جفاة كلَّ الجفاء دبَّ الفساد في طائفة كبيرة موسرة منهم فسلكوا معه ما سلكه أكثر الأقوام مع أنبيائهم، وبدا نصحه المترع بالوعيد لا ينسجم ومآربهم، لم يفتحوا قلوبهم لدعوته قط وهاهم أولاء يصمُّون بعد ذلك أسماعهم عنها.

وفي أيلول عام 622 أصبح لا يطيق جفاءهم فهاجر مع أتباعه إلى مكان آخر يبعد حوالي مئتي وعشرة أميال شمالًا وهو يثرب، (فدعيت منذ ذلك الوقت بمدينة النبي أو بالمدينة اختصارًا) . وكانت تلك الهجرة الحادث الحاسم في حياته وفي قيام الدين الجديد فقد حددت بداية هذا الدين رسميًا ولم يمض وقت طويل حتى اتخذ زمنها مطلعًا للتقويم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت