فهرس الكتاب
بدلًا من ذلك يجب علينا الآن أن نهجر الماضي البعيد ونحلِّق طوال القرون حتى نصل إلى القرن السادس الميلادي ولنقل على وجه التحديد إلى سنة 529 التي أبرمها القدر حين أغلقت أكاديمية أثينا وافتتح ديرمونت كاسينو إذ ليس بوسع المرء أن يجد تاريخًا أكثر ملاءمة من تلك السنة ليكون الحد الروحي الفاصل بين عهدين اصطلح على دعوتهما العصر القديم والعصر الوسيط. في ذلك الوقت كانت كنائس الشرق الأوسط المتعددة المارونية والنسطورية والجريجورية والقبطية والحبشية واليعقوبية (وهذه الأربع الأخيرة تؤمن بالطبيعة الواحدة في المسيح(12) قد توطدت أركانها وبعدت كثيرًا عن حظيرة الكنيسة الرئيسية.
وزاد الحال سوءًا أن وحدة تلك الحظيرة تمزقت شطرين بالانشقاق المشتد بين الكنيسة البيزنطية أو الأرثوذكسية في الشرق والكنيسة الكاثوليكية في الغرب.
وكثيرًا ما يتردد الكلام اليوم على الستار الحديدي الذي يفصل شرقي أوروبا عن غربيها فمثل هذا الستار فصل لمدة طويلة في العصر الوسيط بين العالمين اليوناني واللاتيني (13) .
وفي ختام القرن الثامن كان ذلك الانقسام تامًا والخصومة مستحكمة بين اليونان واللاتين حتى أن اللاتين لما أرادوا أن ينهلوا من ينابيع الحكمة القديمة آثروا أن يتعلموا اللغة العربية على اللغة اليونانية.
ولكني أجدني مسرعًا في الرواية. إذ يجب علينا أن نتوقف لحظة لنقص ولو باختصار حادثًا من أخصب حوادث تاريخ الإنسانية وهو مولد الإسلام.