فهرس الكتاب

الصفحة 8675 من 23694

لقد حجب المؤرخون الكلاسيكيون عنا النظر في هذه الحقائق. لنأخذ مثلًا أقوالهم في الحروب الفارسية وأقوالهم عن المآثر المجيدة لموقعتي ماراتون (490 ق.م) وسالاميس (480ق.م) إذ قد تصور هذه الحروب على أنها نزاع بين الاستبداد الآسيوي والديمقراطية اليونانية بيد أنه من التضليل الكبير أن تعتبر حربًا بين الشرق والغرب. ذلك أن الفرس كانوا حلفاء للفينيقيين الذين كانوا يتشبهون بالغربيين تشبه يهود العصر الحاضر بهم في حين كان كثير من اليونانيين يترسمون خطا الشرقيين. ولم تكن تلك الحروب كذلك نزاعًا بين الاريين والساميين لأن الفرس كانوا كأغلب اليونان آريين على حين كان حلفاء الفرس الفينيقيون ساميين، وكذلك كانت الإمبراطورية الآخامانية تركيبًا مشتبكًا من عروق الشرق الأوسط وشعوبه، امتزجت جميعًا مرارًا في إبان ألوف السنين. وكانت الآرامية هي اللغة العامة في تلك الإمبراطورية وهي لغة سامية. يجب ألا يغرب عن بالنا أن الشرق الأوسط هو أرض تقع في ملتقى سبل متعددة. وإذا دعيت بلادنا أحيانًا بالبوتقة فإنه لوصف أشد انطباقًا على الشرق الأوسط مع فارق كبير هو أن أمريكا كانت بوتقة زمنًا ينيف قليلًا على مئتي عام على حين كان الشرق الأوسط كذلك موطنًا لامتزاج الشعوب مدة أطول بعشرين مرة على الأقل.

لنعد إلى العلم اليوناني. لقد تخللته تأثيرات شرقية متنوعة إيرانية وبابلية ومصرية. أمثال تلك التأثيرات يمكن أن نتقفاها في كتابات أفلاطون فضلًا عن كثير من الكتاب اليونان الآخرين الذين بدا الأثر الشرقي فيما كتبوه أشد وضوحًا (11) .

ولو أمكن إجراء مسح لجميع الأفكار الشرقية التي تتضمنها الكتابات العلمية اليونانية لكان ذلك مفيدًا بيد أنها مهمة طويلة ليس بوسعنا إلا التنويه بها في الوقت الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت