فهرس الكتاب
ندين لكلا الشعبين بفجر الفن والأدب والرياضيات والفلك والكيمياء وبكثير من الصناعات بل إننا مدينون لهم دينًا عميقًا بكتابنا المقدس وديننا وحقوقنا وسجايانا الخلقية.
ولقد كان عسيرًا قبل هذا القرن قبول هذه الفكرة وهي أن مهد المدنية الغربية إنما يقع على شواطئ النيل والفرات، بيد أن هذه الحقيقة أصبحت اليوم ساطعة جدًا، ونحن نستطيع أن نجزم بلا تردد فنعلن أن العلم الغربي قد ولد في تلك البلاد المجدودة.
ومنذ عهد غير بعيد حسب الباحثون أن جذور المدنية الغربية ينبغي أن تلتمس في اليونان للعلم وفي فلسطين للدين ولم يحاولوا أن يذهبوا إلى أبعد من ذلك. واليوم نعرف أن اليونان واليهود هم جميعًا مدينون للمصريين وللبابليين بل ربما أخذوا أيضًا عن شعوب أخرى رائدة (9) .
فالعلم اليوناني لم يكن بدءًا جديدًا وإنما هو استمرار لجهود يرجع تاريخها إلى أبعد من ألفي عام وراء ذلك على الأقل. لدينا مؤلفات مصرية مفصلة في الرياضيات والطب يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر (ق.م) غير أنها مستقاة من كتابات أخرى تقدمت عليها أيضًا بعدة قرون. ويتحدث أطباؤنا عن أبقراط على أنه أبو الطب وخير لهم أن يتذكروا أن أبقراط لا يقف في أول طريق الطب بل في منتصفه بين الطبيب المصري القديم أمحوتب وبيننا (10) .
إن أقدم علماء الطبيعة بين اليونان (هم الذين كانوا يدرسون الطبيعة) وأقدم فلاسفتهم (محبي الحكمة) لم تتألق نجومهم في أوروبا بل على شاطئ آسيا الغربي والجزر المجاورة له. كانوا ينتمون إلى جاليات يونانية ولكنهم خضعوا للتأثيرات الشرقية. كان اليونان أنفسهم يرنون بأبصارهم إلى الجنوب وإلى الشرق يلتمسون مهد المعرفة والحكمة وكثير منهم من رحل إلى مصر وبابل بغية البحث. إني أدعوهم يونانًا وهو تعبير يفتقر إلى الدقة. إذ شد ما اختلطت العروق مرارًا في الشرق الأوسط وشرقي البحر المتوسط في غرة الألف ا لثاني (قبل الميلاد) .