فهرس الكتاب
وليس في هذا من مأخذ يأخذه عليها الناقد غير المسلم. وهذه الفروض على بساطتها وقلة عددها لم تكن تحتاج إلى تحسين ما لأجل توطيد الإيمان وتقويته في نفس كل امرئ ولأجل تيسير انتشاره. إن القيمة العملية لإيمان المسلم يبرهن عليه قوة ذلك الإيمان ورسوخه وسهولة هدايته (على نحو ما تم في أفريقية وجزر الهند الشرقية مثلًا) .
لقد كان الرسول قليل الدراية بالكتابة (إن لم يكن أميًا) ولكنه كان ذا عبقرية كبيرة. وقد لقي إبان رحلاته في وطنه يقود القوافل التجارية لاجئين يهودًا ونصارى لهم من المعارف الروحية ما ليس للأعراب. ولما كان الرسول شديد الاهتمام بالدين كان كثيرًا ما يتحدث إليهم. وهكذا وقف على علم بأمور متعددة من التوراة والإنجيل ومن العقيدتين اليهودية والنصرانية، وقد تضمن القرآن هذه المعلومات حيث ورد عدد من قصص التوراة مع قدر من التحويل (متوقع في مثل هذه الملابسات) (16) . هذا ويمكن أن يؤخذ الإسلام على أنه بدعة انشقت عن اليهودية أو النصرانية، وقد جرى مثل هذا الاعتبار في التاريخ. لقد عرف محمد أنبياء العهد القديم واحترمهم وكذلك عرف مريم البتول أو المسيح ولكنه ذكر أنه رسول الله وخاتم النبيين (17) وعنى بذلك أنه آخرهم. وفي هذه النظرة يتمم الدين الإسلامي اليهودية والنصرانية. والمنصفون يقولون ببساطة إن الإسلام هو ثالث هذه الأديان العظيمة الثلاثة التي تتتام وتنتمي لزمرة واحدة. يبدو الإسلام بأحسن ملامحه كما صوره السلفيون (18) في كتبهم مشبهًا لمذهب التوحيد النصراني. ويبدو بأسوأ مظاهره حين تسربت إليه الخرافات على نحو لم تبلغه الكاثوليكية في أحط صورها ولا العبادة البيزنطية. بيد أن هذا لا شأن له بالدين ذاته وإنما يرجع إلى أن أشد طبقات المسلمين فقرًا كانت نسبيًا أكثر عددًا وأدهى تأخرًا واقل ثقافة من جماهير العامة في إيطالية أو إسبانية مثلًا.