فهرس الكتاب

الصفحة 8680 من 23694

لنا عودة إلى الحديث عن الإيمان في الإسلام وعن العجائب التي حققها فور ظهوره ولكن يجب الإشارة أولًا إلى عظمة الرسول من نواح أخرى لكي أثبت صحة قولي.

الأمر الأول هو أن الرسول لم يكن يعرف لغة غير لغته (19) فمن الطبيعي إذن أن يعلق أهمية كبيرة على تلك اللغة. إن الذين يتكلمون لغة واحدة لاسيما أولئك الذين هم على حظ ضئيل من الثقافة يجنحون غالبًا إلى اعتبار لغتهم اللغة الوحيدة الفذة (20) فالوحي الإلهي إنما نزل على الرسول بالعربية (وليس في ذلك ما يدهشنا‍) وعلى ذلك تكون العربية لغة الله (21) .

وقد ألح الرسول على وجوب تلاوة القرآن بالعربية، وبسبب ذلك التصور وصدق تأكيده على شرعية اللغة العربية وحدها، هيأ لهذه اللغة أن تكون إحدى اللغات القليلة البارزة في العالم وإحدى الوسائل الرئيسية للثقافة في العصر الوسيط وظلت حتى اليوم لغة عالمية الانتشار.

اسمحوا لي أن أستطرد قليلًا فأشير إلى أن نشوء ألوف من اللغات وتكاملها مستقلًا بعضها عن بعض لهو سر من الأسرار العظيمة في الحياة. بعض هذه اللغات آية في البراعة والتركيب المنطقي والاشتباك. وإنه ليتعذر علينا أن ندرك كيف نمت تلك البنى المشتبكة الجميلة حقًا إذ كان ذلك النمو عفويًا إلى حد بعيد.

لقد وجدت اللغات الطبيعية قبل أن يفكر الإنسان في النحو والصرف أو في اللغة بزمن طويل. وأنشئت حقًا فرائد الأدب اليوناني قبل أن تدون كتب النحو اليوناني الأولى، ويجوز أن يعالج جمال كل لغة بالتحليل والوصف ولكن في آخر الأمر لا يمكن أن يناله التنويه أكثر مما ينال التنويه جمال طير أو زهر. وقصارانا أن نعرب عن إعجابنا بالجمال فنباركه بالتمجيد (أو نقول ما شاء الله) ولقد اتفق أن اللغة الوحيدة التي عرفها الرسول كانت من أجمل اللغات في الوجود (وما كان الرسول ليستشف من وراء الغيب ذلك لو لم تكن له بصيرة إلهية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت