فهرس الكتاب
تفصيلات هذه الجهود الهائلة تعني المؤرخين السياسيين ولكن الأحوال النفسية القومية التي تتلامح وراءها لدى الجانبين الجانب المغلوب والجانب الغالب موضع اهتمام بالغ عند مؤرخي العلوم. لقد كان الإيمان المسيحي يتقوض منذ عدة قرون بسبب المشاحنات اللاهوتية وحرمان عضوية الكنيسة الذي كان يتبادله المسيحيون، وكان الإسلام من جهة ثانية في ريعان نموه مجتمع الكلمة، والجنود المسلمون تحفزهم آمال جسام بالثراء والسلطان في هذا العالم وآمال بالثواب الخالد في العالم الآخر. كان الإيمان في الإسلام بسيطًا كريمًا معتدلًا ومع ذلك إذا جد الجد اتقد إلى أبعد مدى وانقلب المحاربون أولي بأس شديد يبلغهم الظفر أو الشهادة، كلاهما سيان عندهم. ومع أن المسلمين كانوا قادرين على التسامح فإن قوتهم كانت مترتبة إلى حد بعيد على شعورهم بالتفوق الذي بعثه في نفوسهم النصر السريع وعلى الازدراء الأصيل الذي يكنونه لغير المؤمنين (39) .
وما كان بوسع الغزاة المسلمين في مطلع فتوحاتهم أن يغالوا في التشدد لأنهم كانوا بحاجة للتعاون مع الشعوب المغلوبة، كان أطفال البادية يجهلون كل شيء إلا دينهم وشعرهم فلم يكن يسعهم إدارة البلاد المفتوحة، ومن حسن حظهم أن فريقًا ساخطًا بين اليونان والسوريين واليهود والأقباط وأهل العراق والإسبان وغيرهم كانوا راغبين في خدمتهم. وقولنا أن العرب كانوا بحاجة لعون بعض هؤلاء الغرباء تعبير غير كاف، فإنهم لم يكونوا قادرين على أن يصنعوا شيئًا دون ذلك العون. لقد شيدت الإمبراطورية الإسلامية (40) بالمشاركة الراضية من قبل اليونان والفرس والأقباط وغيرهم، نصارى ومجوسًا وصابئة ويهودًا. ولم يكن المسلمون بحاجة للعون في مجالي الدين والأدب، أو هكذا حسبوا، ولكنهم سرعان ما أدركوا أن الامتياز الثقافي لبعض الأجانب يرجع الفضل فيه إلى جهازهم التقني أو العلمي.