فهرس الكتاب
ولكي نقدر هذه الحوادث حق قدرها يجب أن نتذكر أن العرب كانوا إذ ذاك قريبي عهد من حال البداوة. لقد قايس بعض المؤرخين الفتوحات العربية لآسيا وأفريقيا وأوروبا بهجرة الجفاة المتوحشين (الهون-القوط- الفاندال وغيرهم) الذين قوضوا الإمبراطورية الغربية (عام 476) واستمروا في طمس معالم أوروبا قرونًا متعددة بعد ذلك (37) . إن البدو لم يكونوا ليختلفوا عن الهنود الحمر، في الخير والشر، وانتصارهم على أكثر البلاد تمدنًا في ذلك العهد يبدو لأول وهلة متناقضًا كما لو نجح الهنود بالتغلب على الرواد الأمريكيين وامتلكوا أعنة أمورهم وأدخلوهم في خدمتهم. قد يفيد مثل تلك الموازنة لبيان التناقض الكبير بين المنتصرين والمغلوبين، ولكنه داحض في جوهره. لقد كان الفاتحون العرب في أول أمرهم بداة أميين إلا أن إيمانًا ملتهبًا كان يوحد صفوفهم ويزيدهم مجدًا، وفي هذا الشأو أيضًا تحققت نبوة الرسول تمام التحقق. لم تكن الفتوحات العربية نتيجة صراع بين متوحشين جياع وسكان مدن متداعية، بل كانت على الأصح نتيجة صراع بين دين جديد وحضارة جديدة ناشئة من جهة وبين عدة مدنيات منحلة سيئة مضطربة من جهة أخرى. كانت إلى حد بعيد ضربًا من حرب صليبية مضادة كانت انتصارًا للهلال على الصليب (38) .