فهرس الكتاب

الصفحة 8690 من 23694

يهون كل شيء على المرء إذا لم يتصور ما فيه من مشقة. يجدر هنا التنويه بأن تكامل العلم العربي الذي جاوز التصديق لم يبدأ إلا منذ النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة. كان الرسول عميق الاهتمام بالحياة الأخرى وبقضايا الأخلاق والدين التي تتصل بالحياة الدنيا فشغله ذلك بعض الشيء عن العلم. حاول بعض المدافعين عن الإسلام في العصر الحديث أن يتلمسوا في القرآن طائفة من الآراء العلمية ولكن هذا ليس بمقدورهم إلا إذا أعطوا الكلمات مضمونًا ما خطر على بال الرسول أبدًا ولا على بال أحد غيره مدى قرون (42) ولم يكن الخلفاء الراشدون أكثر عناية بالعلوم من الرسول (، ويبدو أن الكتاب اليونان الذين في خدمتهم كان إلمامهم بتصريف الأعمال والإدارة أكبر من إلمامهم بالعلوم كما عبروا منذ حين عاجزين عن تقدير أعمال أجدادهم الفكرية. وبالجملة لم يوجد علم يمكن التحدث عنه في المدينة أو في مكة أو حتى في دمشق، ولم تظهر معجزة النهضة العربية قبل قيام الخلافة العباسية في بغداد. فما الذي حدث هنالك؟ لقد نشطت العبقرية العربية بفعل الخميرة الإيرانية إذ كانت المحاسن العربية والفارسية(والعيوب كذلك) متتامة. ويرجع الفصل في معجزة العلم العربي إلى تفاعل العزيمة والمجد العربيين والإيمان الإسلامي بالفضول والتفلسف الفارسيين. ولوضع هذا القول في صيغة أعم نقول:

إن العلم العربي كان ثمرة لقاح العبقرية السامية بالعبقرية الإيرانية (43) . ولعل هذا القول عام جدًا وبعيد من أن يكون قولًا محكمًا دقيقًا ولكنه يساعدنا بوجه التقريب على تفهم ما تم حدوثه في بغداد. فقد استطاع الحكام المسلمون خلال قرنين من الزمن (750-650م) أن ينقلوا المعرفة اليونانية إلى اللغة العربية بوساطة رعاياهم الذين يتقنون عدة لغات وأكثر هؤلاء نصارى ويهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت