فهرس الكتاب
لقد حاول بعض المؤرخين أن يخفضوا من شأن هذه المنجزات الكبيرة مدعين بأنه لا أصالة فيما قدمه العرب وأنهم ليسوا سوى مقلدين. ومثل هذا الحكم خطأ كله. ذلك أنه من وجه مالا شيء أعمق أصالة من ذلك السغب الشديد للمعرفة الذي كان يلج بالقادة العرب. لقد كانوا حقًا في حاجة مباشرة إلى جزء من تلك المعرفة للإدارة والحكم ولكنهم تجاوزوا بسرعة المرحلة النفعية إلى مرحلة أخرى أسمى منها. قد يقول المرء أن الطب معرفة عملية ومثله الفلك إذا اتصل بمآرب التنجيم ولكن العرب ترجموا كثيرًا غير ذلك في الرياضيات والفلسفة التي لم تكن تعد ذات نفع إلا بأعلى الاعتبارات الأفلاطونية. وقد يقول معترض أيضًا أن أكثر أولئك التراجم كانوا أجانب غير مسلمين بل كانوا غالبًا من غير العرب. وعلى هذا كان كل فضل في هذه الترجمات يعود إليهم لا إلى رؤسائهم.
كلا إنما الفضل لكلا الفريقين. ولقد كان أكثر أولئك التراجم أجانب لسبب بسيط وهو أن الخطة تستلزم درجة من معرفة اللغات لم تتوافر للفاتحين المسلمين. فلكي يترجم المرء من لغة إلى أخرى يجب أن يتقن كلتا اللغتين. وأمثال تلك الكفايات التي كان يتحلى بها أولئك الأجانب كانت لازمة ولكنها غير كافية. وبصورة عامة لا يتم عمل لاسيما إذا كان عملًا طويلًا ومفروضًا إلا إذا كان ثمة من عقد العزم على أدائه. وكفل الباحثين الذين يقومون له. لقد كان الزعماء العرب تواقين إلى إنجازه متهيئين لتيسير سبل ذلك الإنجاز. ولهذا كانوا كثيرًا ما تجري المنافسة الكريمة بينهم في هذا المضمار فالمبادرة إلى ذلك إذن كانت مبادرتهم.