فهرس الكتاب

الصفحة 8692 من 23694

يحسن أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا:"ما التقليد؟". نحن كلنا نقلد بالطبع آباءنا ومعلمينا وأبطالنا. أما الأدعياء فيسيؤون التقليد، فهم ينسخون ظواهر الأشياء وأما العباقرة فيحسنونه ويبدعون أشياء جديدة. وهدف التربية الحقيقي هو المحاكاة الحكيمة لأفضل الأمثلة، محاكاة المناهج لا محاكاة النتائج وقد تم التقليد العربي في عدة مراتب وعلى عدة أنواع منها الصالح ومنها الطالح.

ولقيت خطة ترجمة المؤلفات الفلسفية والعلمية من اليونانية أو السريانية إلى العربية صعوبات جمة. كان التراجم الأوائل حتى المتأخرون كحنين بن إسحاق (في النصف الثاني من القرن التاسع) يضطرون إلى اشتقاق ألفاظ جديدة للإعراب عن أفكار لم يسبق التعبير عنها من قبل في لغتهم. كان المترجم إذا عالج مثلًا أفلاطون أو أرسطو أو إقليدس أو أرخميدس أو ابقراط أو جالينوس لزمه أن يجد مصطلحًا جديدًا وهو إما أن يلجأ إلى تعبير مسهب وإما أن يكتب اللفظ اليوناني بالخط العربي لدى التعذر. ولكن واهًا للطواعية العجيبة في اللغة العربية إذ يسرت نسببًا -كما أشرت آنفًا- اشتقاق سلاسل لا تتناهى من الألفاظ العربية الجديدة الممتازة تتحدر من أرومات قديمة ومع أن هذه الألفاظ لم ترد في القرآن ولا في الحديث فإنها توائم روح اللغة حتى ليتصعب أحيانًا إدراك جدتها. ويميل الظن بالمرء إلى أن هذه الألفاظ كانت قديمة قدم اللغة نفسها إنها لم تكن مستعملة من قبل ولكنها كانت موجودة بالقوة (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت