فهرس الكتاب

الصفحة 8696 من 23694

وهكذا استقام البرهان على المكانة العظمى التي للشرق الأوسط من حيث هو مهد الثقافة الغربية. ولكن حب الحقيقة يلزمنا أن ندخل قيدًا أو نقدم اعتراضًا كما يقول المحامون. إن الحضارة العربية التي كانت الحضارة الرائدة من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر والتي بقيت ذات أهمية بالغة لفترة تمتد ستة قرون أيضًا (وليست ستة القرون بالمدة الضئيلة) قد برزت في ذلك المهد. ليس في ذلك من ريب. بيد أن الفتوحات الإسلامية جعلتها تمتد شرقًا إلى الهند وآسيا الوسطى حتى الصين، وغربًا إلى إسبانيا ومراكش أي إلى آخر حدود العالم إذ ذاك. فلو سميناها حضارة الشرق الأوسط فحسب لبدت التسمية غريبة بعض الشيء لأن تلك الحضارة امتدت في العصور الوسطى من الشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى ولا تنسوا بأنه كان لهذين المصطلحين قيمة مطلقة قبل كولومبس. وفي القرن العاشر للميلاد أصبحت إسبانيا ومراكش أي المغرب الأقصى مركزين أصيلين للحضارة العربية، وبتعبير آخر أن جزءًا أساسيًا مما ندعوه بالشرق الأوسط كان إذ ذاك في المغرب الأقصى أي في أقصى الغرب تمامًا! وعلى هذا يبدو لفظ الشرق الأوسط تعبيرًا مضللًا. فنحن دائمًا شعوب شرقية بالنسبة لجيراننا الغربيين وغربيون بالنسبة للشعوب التي تسكن في الشرق منا (47) ولكنا نقبل هذا التعبير كما نقبل كلمات أخرى كثيرة ليست إلا بقايا من الجاهلية الخالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت