فهرس الكتاب

الصفحة 8701 من 23694

وينبغي أن نسهب بعض الشيء في الكلام على ذلك العامل الرئيسي في الانحطاط ألا وهو الخرافة لأنها أكثر العوامل مخاتلة، ونماؤها ليس سببًا رئيسيًا للانحطاط وحسب وإنما هو أكثر أعراضه وضوحًا. إذا نحن شهدناه يجب أن نحترس ونبدأ بحماية أنفسنا. وما كان بمكنة الناس في العصور الوسطى فهم هذا كما نستطيع اليوم. إن الخرافة تروق دائمًا للشعوب الجاهلة التي تريد أجوبة عن أسئلتها أجوبة يكون العرَّافون على أتم أهبة لتقديمها. هكذا كانت الحال وأبدًا ستكون: عندما تضعف الجهود العلمية تخالط الخرافة العلم نفسه فيكون هذا أمرًا مشؤومًا. لقد شرفت المؤلفات العلمية العربية بعديد من الروائع ثم بدأت تنحدر بفيض من المؤلفات التنجيمية والسيميائية (58) والسحرية. ويبدو تسرب فضول السحر إلى الرياضيات على أتم شكل في كتاب لمؤلف روحاني من الجزائر يدعى أحمد بن علي البوني، عاش في النصف الأول من القرن الثالث عشر. ولكن أفضل شرح للموضوع بكامله نجده عند رجل من أبرز مفكري العصور الوسطى في الشرق والغرب وهو التونسي ابن خلدون (عاش في النصف الثاني من القرن الرابع عشر) (59) . تأملوا مثلًا ما كتبه عن الهندسة:

"واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع، وقد زعموا أنه كان مكتوبًا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسًا فلا يدخلن منزلنا. وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه" (60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت