فهرس الكتاب

الصفحة 8700 من 23694

وقد تواتر البرهان على أن الانهيار الروحي لا شأن له بالهزائم العسكرية ولا بالكوارث السياسية. ففي هولندة مثلًا لم تكن السلطة المادية إلا ظلًا للسلطة التي نعمت بها في القرن السابع عشر ومع ذلك فقد ظلت حتى الآن بلدًا من البلدان البارزة في ميداني الفن والعلم. وهنالك برهانات مشابهة قدمتها أمم أخرى كبلجيكة وسويسرا والبلاد الاسكندنافية فهي على ضآلة قوتها تقود العالم في شتى الأمور الروحية وهي مراكز ثقافية من الدرجة الأولى.

كلا لم يكن انحطاط الإسلام بسبب نقص القوة المادية والتفوق السياسي وضياعهما بل بسبب أن القوة الروحية فيه قد تداعت. إن الشعور بالعزة الذي تضرمه فينا ذكرى أعمال أجدادنا المجيدة هو شعور خطير لاسيما إذا رافقه تقاعس في جهودنا. فالشعب الذي يقوم بالأعمال العظام لا يتبجح بها إذ ليس لديه وقت لذلك وهو على تحقيق أهدافه أشد إكبابًا منه على استجداء الإطراء من الشعوب الأخرى. وعندما يهرم أفراده وقد أنجزوا ما كان عليهم عمله يغالون في ترديد ذكرياتهم وتمجيد أنفسهم أن هذا ليس أمرًا ذا بال في حياة الأفراد القصيرة إذ لا بأس من أن يسمح لهم بوقت قصير يستمتعون فيه بدفء الشمس قبل أن يرحلوا ولكنه -بخلاف ذلك- أمر على جانب كبير من الخطورة في حياة الأمم لأنها إذا بدأت تستريح إلى مجدها وتتباهى بماضيها دون أن تمشي قدمًًا فإنها في طريق الانحطاط تسير وهي في سبيل الضياع. إنها تستمر في وجودها لأن القاعدة هي أن الأمم لا تموت ولكن حياتها محكوم عليها بالتفاهة. وهذا تمامًا ما حدث للإسلام: توقف الجهد الخلاق ورافقه ازدياد التفاخر وازدراء الآخرين، وصار النور الباطن كابيًا حتى أن إيمانهم أضاع قوته وصفاءه. وحلت الخرافة محل الدين والتعصب مكان الاعتقاد والحسد والكراهية بدل المحبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت