فهرس الكتاب

الصفحة 8699 من 23694

كثيرًا ما قيل إن انحطاط الإسلام الروحي عجل به ضياع سلطانهم السياسي وفي هذا القول بعض الحق ولكن ينبغي ألا نبالغ فيه (52) فهو ليس إلا جزءًا ضئيلًا من الجواب المشتبك. ألا ترى سلطان الدولة العثمانية بقي كبيرًا عدة قرون ومع ذلك لم تبلغ الحضارة في تركية الشأو الذي بلغته في عدة بلاد أوروبية كانت أضعف منها جدًا وفي ذعر قاتل إزاءها. لقد كان ضعف الإيمان الإسلامي عاملًا في دعم سلطان العثمانيين ومع ذلك فإنه قوض العلم العثماني (53) . إن الأسباب الحقيقية لكل انحطاط هي دائمًا أسباب داخلية لا خارجية. إذا اقتلعت العاصفة بعض الأشجار لا تلام العاصفة وإنما تلام الأشجار لخوائها.

لم تزعزع النكسات السياسية ثقة المسلمين بأنفسهم بل على العكس زادت في الواقع من خيلائهم ولكن في طريق خاطئ. فقد غدا البحث العلمي مصدوفًا عنه وليس له حافز بسبب جهل علماء الدين المسلمين واكتفائهم بما ألموا به. وتوقف التقدم العلمي بسبب تعنتهم وإظلام آفاقهم. وقد استمر (العلماء) يقبلون القصة الخيالية التي كتبها علي بن أبي الحزم بن النفيس (54) بعنوان (فاضل بن ناطق) بمعناها الظاهري. وهي محاكاة لحي بن يقظان التي كتبها ابن طفيل (55) . ألف ابن طفيل (المتوفى 1186) قصته الحكيمة حين كان الإسلام لا يزال في أوجه أما ابن النفيس الذي مات بعد قرن فإنه كان مثالًا لطلائع الانهيار حين قلت المآثر وطما الغرور. وكانت الغاية التي قصدها ابن النفيس في كتابه هي أن يبين أن تسلسل الحوادث في الماضي الإسلامي جرى على نهج لا يمكن تجنبه حتى أنه كان يمكن إعادة بنائه خيالًا بصورة قبلية. كان وهمه من نوع وهم مسيحي يدعى يوسيبيوس (56) آمن أن التفوق المسيحي راجع إلى العناية الإلهية وإلى فضيلة ذاتية فيه. وكذلك حسِبَ ابن النفيس أن الأعمال السياسية والعسكرية المذهلة التي قام بها الشعب المسلم كانت مجرد تحقيق لما خطته العناية الإلهية (57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت