فهرس الكتاب
سجلت جهود ابن رشد وابن ميمون بلوغ الحضارة العربية أعلى منازلها ثم بدأت تنحدر باستمرار بعد القرن الثاني عشر. على أن تلك الحضارة ظلت مؤثرة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وإن كانت في سبيلها إلى الانحطاط. وكان من الشاق أن يدرك المشرق الإسلامي ذلك بسبب خيلاء ذاتية تزداد كلما تضاءلت الأعمال الجليلة (وإنها لقاعدة عامة تنطبق على الشعوب كما تنطبق على الأفراد) ، وكان الغرب أقل إدراكًا كذلك لهذا التدهور فقد كانت مكانة العرب تزداد هناك في حين تتناقص جدارتهم بهذه المكانة (51) . وهذه أيضًا قاعدة أخرى من قواعد الحياة. هنالك انزياح أو تخلف دائم بين أعمال الإنسان (أو الأمة) وبين الشهرة الذائعة، تأتي الشهرة متأخرة وقد تتأخر حينًا بعد إذ تتوقف الأعمال المجيدة. وكيف لا يكون ذلك؟ والزمان لا مندوحة عنه في المآثر لكي تتاح معرفتها فيه وتقدر حق قدرها.
إن الأعمال المجيدة التي حققتها الشعوب الناطقة بالعربية بين القرنين التاسع والثاني عشر كانت عظيمة حتى أنها أعيت أفهامنا. وكذلك كان انهيار الإسلام والعرب مذهلًا بسرعته وشموله مثلما كان نهوضهما. ولن يبرح الباحثون إلى الأبد يحاولون تفسير هذا الانهيار كما يحاولون تفسير انحطاط روما وسقوطها. وأمثال هذه المسائل غاية في التعقيد وتستحيل الإجابة عنها ببساطة.