فهرس الكتاب
إن مناقشة ابن خلدون للخرافات المختلفة عند المسلمين هو بحث فريد في مؤلفات العصور الوسطى مع أنه على حصافته لم يستطع أن يتحامى تصديق بعضها. وتفاقم الأمر سوءًا بعد عصره إذ حصل إذ ذاك ما يشبه ما ندعوه اليوم بالتفاعل المتسلسل: فانحطاط الإسلام الروحي أشرع الباب إلى ازدياد الخرافات. وقد حطم جهل رجال الدين (62) وتعصبهم سدود العقل، وأنمت الخرافات الجديدة عند الشعب سرعة التصديق وقلة المحاكمة والغفلة والتعصب، وأفضت الخرافة إلى الخرافة وهكذا دواليك. وتفاقمت خطورة هذه الحال لأنه في الوقت الذي بدأت تهزل فيه الجهود العربية ويصبح الشعب العربي فريسة سائغة للخرافات المتزايدة كان الشعب الغربي (اللاتيني) يكشف عن سر جديد لمعرفة لا تتناهى وحياة زاخرة، تلك هي الطريقة التجريبية التي أنشأت حضارة جديدة في بضعة قرون وبعثت فوق ذلك ثورة في العالم كله في العالم الروحي وفي العالم المادي معًا (63) . ولم يكن للشعب الناطق باللغة العربية نصيب في ذلك. بينما كانت الأمم الغربية تتقدم بخطى حثيثة جدًا كان العرب مسمرين في أمكنتهم، وهكذا بدأوا يتراجعون بلا رجاء. فالإسلام الذي بارتقائه العظيم رفع العرب إلى أسمى الذرى عاد فألقى بهم لما تداعى في عميق الهاوية.
ولكن هذا ليس نهائيًا على أية حال، فالأمور في الواقع تتغير بسرعة. ولقد قادت شعوب الشرق الأوسط العالم مدى حقبتين طويلتين طوال ألفي سنة على الأقل قبل اليونان ثم كرة أخرى في العصور الوسطى طوال أربعة قرون أو ما يزيد على ذلك. فليس ما يمنعها من أن تقوده مرة جديدة في العاجل أو في الآتي البعيد.