فهرس الكتاب
كان سبب قيادتهم في الحقبة الأولى عبقريتهم الخلاقة؛ كانوا البناة الأول والكتاب الأول، أفاقوا قبل أن يفيق سائر العالم. أما الحقبة الثانية فكانت أقصر من الأولى وأقل أصالة إلا أنها تظل مع ذلك خصيبة غاية الخصب. لقد سبقوا بحضارتهم القديمة اليونان في مضمار المآثر العلمية أو فتحوا السبيل لهذه المآثر فجعلوها ممكنة ثم تغير الأمر فأصبحت الشعوب الناطقة باللغة العربية ورثة العلم اليوناني ونَقَلَته إلى الغرب. ولم يكونوا نَقلَة لا نظر لهم ولا تأثير بل على العكس زادوا التراث اليوناني وأورثوا خلفاءهم اللاتينيين تراثًا أغنى. ولا يرجع رقيهم في هذه المرة إلى أصالتهم الخلاقة بقدر ما يرجع إلى إتقانهم وحماستهم الفذة. لقد أدركوا إذ ذاك ما كانوا قد نسوا من أن المعرفة يجب أن تشاد على قواعد راسخة وإذا لم تضرب جذور الحضارة إلى عمق كاف فإن هذه الحضارة سوف تذوي وتموت. وكانت جذورهم الدينية وافية العمق وكذلك كانت جذورهم العلمية، لفترة على الأقل، الجذور اليونانية القديمة. أدرك قادتهم إدراكًا جليًا أن المرء إذا شاء أن يحصل على المعرفة العلمية ينبغي أن يبدأ من جذور أول المبادئ لا من قمة آخر التطبيقات. يسهل قطف الثمار الناضجة من أعالي الشجر حتى الأبله يستطيع أن يفعل ذلك ولكن الأصعب منه غرس الأشجار السليمة التي تعطي أغزر الثمار في مواسمها. هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه اليوم شعب الشرق الأوسط مرة ثانية. لا طريق إلى العلم قصير. من اليسير تعليم الميكانيك ولا صعوبة بالغة في تدريب المهندسين، ولكن إعداد رجل العلم عملية شاقة وطويلة. إن درب العلم صعب لا راحة فيه ولا نهاية له.