فهرس الكتاب
(31) إن الفروق بين القرآن والعهد الجديد شاسعة جدًا. وذلك يعود على أن القرآن صدع به وتلاه الرسول نفسه وقد كان يعلم تمام العلم ماذا يبغي فاشتمل القرآن على جميع المسائل الجوهرية في حياة المسلم من دين وتوحيد وشريعة وتقويم ولغة. أما العهد الجديد فلم يمس قضية اللغة وإذا طوينا صفحًا عن ألف لغة نقل إليها الإنجيل يكفي أن نذكر أن الكنيسة الكاثوليكية قد نجحت تقريبًا في إحلال لغة أخرى (مقدسة) وهي اللاتينية محل لغته الأصلية. وكذلك لم يبتكر الإنجيل تقويمًا جديدًا. إنما أدخل التاريخ المسيحي راهب سيثي من النصف الأول من القرن السادس يدعى ديونيسيوس ايكسيغوس وكان قبوله تدريجيًا فاترًا.
(32) هكذا يرى المستشرقون أما الواقع فإن انتشار الإسلام كان في البداية قائمًا على الدعوة الحسنة والرفق ومنع الظلم.
وقد تعرض المسلمون الأوائل لألوان متفاوتة من الاضطهاد والتعذيب وأمثالهما مما هو معروف في تاريخ الإسلام فلما توحّد العرب بالإسلام في الجزيرة اتصل توحيدهم بالسعي إلى تحرير العرب الذين كانوا يقاسون الاضطهاد تحت حكم بيزنطة من جهة والفرس من جهة ثانية في سورية وما بين النهرين وكذلك تحرير إخوانهم في شمالي إفريقية. لقد أتى الإسلام بقيم جديدة تؤكد العدالة والمساواة بين الناس ورفع الاستغلال والتمييز والتفرقة العنصرية ودعم ما أثّلته المسيحية من قيم صحيحة ومكافحة الشرك وهلم جرا. والدليل هو أن العرب في سورية والعراق مدّوا أيديهم إلى إخوانهم وأعانوهم عند قدومهم على تحرير تلك البلاد. ولقد بقي الرومان مدة طويلة في شمالي إفريقية فما استطاعوا إدخال لغتهم المغايرة للغة الشعب الأصيل في تلك المواطن وكانت لهجة قريبة جدًا من لهجات العربية وهذا ما يدل على سرعة اجتياح العرب المسلمين تلك البلاد إذ قدموا رافعين لواء التحرير وشعائر إنسانية جديدة كريمة- المترجمة.