فهرس الكتاب
(33) كلما وهن التمييز لدى الباحث وغفا الفكر الناقد عنده فتورات عنه بعض الأسباب التي لم ينفذ إلى جوهرها عمد إلى الكلام على الحظ ولذلك لا نجد كلمة الحظ هنا إلا مقحمة في تفسير منطق تاريخي مبرم. ولم تكن بيزنطة ولا فارس إذ ذاك على درجة الضعف التي يصورها المؤلف بل كانتا ذواتي قوة ويسار كبيرين. والشجاعة من شمائل العرب ولكن لا يمكن أن ننكر وجود الجبان المتخاذل بينهم. فالشجاعة صفة عالية للمرء ولكن التنظيم الاجتماعي والأهداف الرفيعة المشتركة تزيد في شجاعة الشجاع وتحول دون انهزام الجبان والفضل في شجاعة المسلمين حسن تنظيمهم وقوة مثلهم العليا التي كانوا ينشدونها. إن الشخص الذي يسلك الغاب في الليل وحيدًا مثلًا دون أن يعرف دروبه لا بد أن يساوره الخوف ولكن الشخص الذي درس مواقع الغاب وعرف مسالكه حق المعرفة يعرف كيف يجتازه بسلام ولو كان أقل شجاعة فالشجاعة تتوطد بالعلم والإدراك والعقل والتنظيم. وهكذا يبدو لنا كلام المؤلف فيه شيء من الاعتبارات العامة إذ يتكلم على الحظ والشجاعة وكأنه سمع بسيرة عنترة بن شداد. -المترجمة.
(34) يستعمل هنا المؤلف كلمة العاصفة ولقد حملت تلك العاصفة إذا أردنا استعمال اللفظ نفسه الغيث المدرار المخصب إلى تلك الربوع وذلك بنشر العلم والثقافة وهو الموضوع الذي يعالجه المؤلف، ولذلك نراه مسرفًا عند استعمال لفظ العاصفة وكان يمكن أن يقول:"فما كان بوسع كلتا الإمبراطوريتين أن يلبث فسادهما أمام انبلاج الحق".
إن فتح الشام والعراق كان كما أسلفنا في حقيقته تحريرًا للعرب الذين كانوا يكابدون العناء من سيطرة الروم والفرس واستبدادهم بهم وطغيانهم عليهم. فلم يكن ذلك من غساسنة الشام ومناذرة العراق خيانة لبيزنطة ولا لفارس بل كان ذلك وفاء لقوميتهم وتشوفًا للقيم الرفيعة من حق وعدالة ورفق وإحسان وغير ذلك مما بشر به الدين. -المترجمة.