فهرس الكتاب
إن الولي الذي تبدلت أرضه غير الأرض، واستمر يعيش حياته معنا كأنه هو، صمت منه اللسان فكتم سر ولايته عن الآخرين، فالولاية عنده ليست استعراضية، والولي على عكس الساحر لا يقدَّم للمشاهد فنون الكرامة.. ولكن للقُرب الإلهي وللعطاء الرباني علامات إن كتمها اللسان فضحها الوجه والبدن، فالأولياء سيماهم في وجوههم. تشهد أيديهم وأرجلهم بما يكتمون من القرب.. شهادات يراها الرفيق والصاحب والعشير.. باختصار الولي باطنه عبودية وعجز تام كامل ومظهره قدرة تشوش الناظرين.
ونتج عن سكوت الولي وامتناعه عن تأكيد ولايته التي هي هويته الروحية بين أهل الله، أن امتنعت معرفة الولاية من داخل وأنها محض عبودية، ولكن حيث أن المراقب والصاحب والسالك لم يمنعه سكوت الولي عن ولايته من السؤال، تكاثرت الأسئلة عن الولاية ومعناها وعن الولي وهويته؛ ونظرًا لما يكنه الناس من احترام للأولياء فلم يطرح أحد من الناس على أحد من الأولياء سؤالًا مباشرًا، مثلًا لم يقل أحد لولي: هل أنت من أولياء الله؟ واستمر الناس على عقيدتهم في الأولياء، يولّون من تتلامح على ظاهره علامات القُرب، ويربطون بين الولاية وبين هذه الوجوه من خارج من المظهر، وأخذت تتكون النظريات من نتف جمل التقطها السائل.. ولكن الأهم منها كتابات الصوفيين الذين تكرسوا أولياء في نظر محيطهم، عن مشاهداتهم وفتوحاتهم.. وهنا أيضًا تصادفنا مشكلة أخرى، فبالإضافة إلى أن الصوفي يحتاج دائمًا إلى ترجمان ينقل نصه من لغة الوجدان إلى لغة الناس، فمفهوم الولاية نفسه تعرض للذبذبة التي تعرض لها مفهوم الصوفي، فكما عرّف كل صوفي التصوف بحسب علمه وتجربته كذلك يعرّف كل معرّف الولي والولاية بحسب موقعه منها ومرتبته..