فهرس الكتاب

الصفحة 8731 من 23694

كل ذلك جعل الولاية الصوفية مشروخة بين ثلاثة عوالم: عالم أهل الله، وهو عالم الأولياء الذين يعيشون الولاية ويُشفقون من أحمالها، وعالم الباحثين والمؤلفين والكتبة الحافظين الذين يتتبعون مظاهر الولاية في النصوص والأشخاص، ليرسموا منها نظرية يتوافق فيها الفقه والتصوف والعقل الإنساني، وعالم العامة الذين علٌّقوا عيونهم على وجوه الصالحين وتتبعوا أقوالهم وأفعالهم يرصدون ظهور علامات الولاية عليهم..

وتظل الولاية سرًا بين الوليَ وبين من ولاَّه سبحانه، يحتفظ الأولياء بسر الولاية يعيشون عبوديتهم الخالصة، يضنُّون بهذه المعرفة على غير أهلها.. ويحتفظ الباحثون بمظاهرها يلملمون النصوص التي تثبت شرعية وعقلية الخوارق والكرامات والعلوم اللدنية الإلهامية، ويتحول الكتاب إلى محاولة إقناع بالولاية، وبوجود أولياء لله مقربين من دون الكون.. ويحتفظ العامة بكل الخرافات والأوهام والحقائق التي تزينها لهم عقولهم من عالم غيبي مغيب، عالم رجال خوارق تقطع مسافات تمشي في الهواء وعلى الماء، تنفعل لها الأشياء وتطيعها الحيوانات.. وبين هذه العوالم الثلاثة: عالم الأولياء الحقيقي، وعالم الباحثين النظري، وعالم العوام الموهوم المزخرف بتقديس الإنسان، تقوم مسافات لا تقطع، برازخ لم يلامسها كاتب أو إنسان.. وجاء كتاب الأستاذ شودكوفيتش ليردم هذه المسافات بين واقع عبودية الأولياء وبين تنظير مظاهر الباحثين، وبين خيال العوام وخرافاتهم وتوهماتهم.. باختصار كتاب الأستاذ شودوكوفيتش يقرِّب أجزاء صورة الولاية بعضها من بعض، يقرِّب ظاهر الولي [= قدرة، علم، الجانب الإلهي من الصورة] ، من باطنه [= عبودية، عجز، الجانب الإنساني من الصورة] ، حتى تتجلى حقيقته على مقدارها للباحثين.

وقبل أن نستعرض كتاب الأستاذ شودكوفيتش فصلًا فصلًا، نقف على امتداد فصوله العشرة، لنلقي عليها نظرة واحدة شاملة جامعة، نظرة ترى المخطط غير المكتوب الذي اتّبعه المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت