فهرس الكتاب

الصفحة 8770 من 23694

وكما تحلل السالك من كل أثوابه قبل عروجه فترك ماءه وترابه وناره وهواءه حتى بقي سرًا إليهًا صرفًا غير ممزوج، نراه عند رجوعه يلبس أثوابه واحدًا واحدًا يتركب حتى يعود إلى العالم المركب، ولكن التحليل والتركيب هما سلم مزدوج يصعد فيه السالك بدرجات وينزل بدرجات مقابلة، كأنها هي وليست هي.. ويعود السالك، يرجع الولي، من الوصول كأنه هو.

فالولاية على حد ما يعرّفها شودكوفيتش مرارًا في هذا الكتاب هي قرب ولكنه قرب مزدوج: قرب من الله وقرب من الناس، فإذا كان الإنسان الكامل شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، والحقيقة المحمدية برزخًا بين الحق والخلق، فالولي وريث يجمع الأعلى والأسفل. وينهي شودكوفيتش كتابه بأن الولاية وإن حملها الولي معه إلى ما بعد الدنيا إلا أنه لها نهاية وختم في هذه الدنيا، فمع مجيء الختم الأول أصبحت أشكالها العليا والكاملة ممنوعة إلى الأبد، ومع مجيء الختم الثاني أقفل نهائيًا مقام القربة وهو أعلى مقامات القرب، وعندما يقبض الله روح الختم الثالث الذي هو آخر مولود من الجنس البشري وتصبح الناس كالبهائم ويمحى القرآن والعلم من القلوب.. يصبح عالمنا فارغًا عن كل ما يربط الأرض بالسماء، عالمٌ باردٌ يغرق في الموت: نهاية الأولياء ليست إلا اسم آخر لنهاية العالم.

وقبل أن نطوي صفحات الولاية، أقول أن الولاية مسؤولية.. يرث الولي هموم الناس، واقع أمة ومجتمع وبيئة.. يقتلع وجدانه من أماكن القرب ويصبِّرها في أرض الوقت، ليكون وجهه في كل زمن شاهدًا على الكمال المتروك.. الولي قبضة تنوَّرت من أثر الرسول وارتدَّت إلينا، فتعلقت بذراتها أرواحنا المسوّاة.

د.سعاد الحكيم

أستاذة التصوف في الجامعة اللبنانية

1 بحث يتناول بالعرض والتحليل والتعقيب كتاب"خاتم الأولياء: النبوة والولاية في مذهب ابن عربي الفكري"تأليف الأستاذ ميشال شودكوفيتش، نشر كاليمار، باريس 1986.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت