فقال ابن الصائغ: وهذه الفاكهة أليس يرميها في النهر أرباب الغيطان؟ قال له ابن تميم إنما هذه من اشتباك الشجر وانحنائها عليه فيلقيها النسيم عندما تشتمل الأغصان، وأما البساتنة فإنهم يضعون فواكه مجموعة على أبواب البساتين كالزكاة لمن يمرّ بها ويحتاج إلى شيء فيأخذه من الفقراء والمساكين. ... فيهنَّ للناس إسعاد وسلوان
وأخبرت في القديم أن بعض الفقراء يضع مكتله على رأسه ويسرح في طرق البساتين فيعود وقد امتلأ مكتله مما يسقط من الأثمار من غير أن يتناول بيده شيئًا.
(والمِكْتَل: زبيل من الخوص تحمل فيه الفاكهة يسع خمسة عشر صاعًا أي نحو ثلاثة وعشرين كغ على أقل تقدير) .
وفي البساتين من يزرع أشجارًا للفقراء يعرفونها بالتكرار، وغالب ما يزرع من ذلك على الطرقات ليقرب تناولها.
وغالب أهل الصالحية يهادن سكان المدينة بالبلح والأترج والكباد، لنمو حسنه عندهم ونضارته التي هي في ازدياد"."
من غوطة دمشق التي أجمع القدماء على أنها أنزه [9] بلاد العالم وأبدعها، ومن وادي بردى وضفاف الأردن والشاطئ السوري خرجت وفود الرياحين والورود وأغراس الأزهار تتفتح كمائمها وتتأرج نفحاتها وترنو ألحاظها لتحيي شعوب العالم وتبث نور المودة والمعرفة والتآخي. وليست الأزهار والورود والرياحين الأنيقة التي تشاهد في الغرب إلا حفيدات لما سبق. فليكن رونقها وبهاؤها ورياها ونفحاتها عربون صداقة باقية ودائمة بين الناس مهما تقلبت الصروف واضطربت الأحداث.
وكأنما سمعت طيف الغوطة ماثلًا بقربي ينشدني في أوائل آذار هذه الأبيات بين الحلم واليقظة وأنا مستند إلى شجرة سنديان أرنو ذاهلًا إلى مشهد آلاف آلاف العرائس البيض عشية زفافهن في هذه البقعة الطيبة وأنتشي بعبق نسيمهن المسكي المتضوع:
فن الحدائق واحات منضَّرةٌ
تلك الخمائل كم لاحت مواسيةً ... إن مسَّهن لاعج مؤذٍ وطغيان
تلقاك كالأم في رفق وتكرمة ... وأنَّ أحلى خصال الأم تحنان