فهرس الكتاب

الصفحة 8864 من 23694

ولكنا في ختام هذا الحديث يطيب لنا أن ننوه بالحديقة الفيحاء الغناء. ألا وهي دمشق. نورد هنا في وصف ابن جبير لها حين قدمها:"جنة المشرق، ومطلع حسنه المونق، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها. قد تحلَّت بأزاهير الرياحين، وتجلَّت في حلل سندسية من البساتين، وحلَّت من موضع الحسن بالمكان المكين، وتزيَّنت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمه (صلى الله عليهما) منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسميها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل. قد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظماء، فتكاد تناديك الصم الصلاب [اركض برجليك هذا مغتسل بارد وشراب] (38 ـ 42) . قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر. وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر. فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر. ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض، فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي حيث تسامتها وتحاذيها..".

ونكتفي من كتاب"نزهة الأنام في محاسن الشام"، بهذه الصورة البيانية:

يحكى عن ابن الصائغ الحنفي أنه لما قدم من القاهرة إلى دمشق المحروسة نزل في (الجسر الأبيض) عند الأمير مجير الدين بن تميم ونهر ثورا يمر بداره المأنوسة فأجلسه على جانب النهر لأجل برد الهواء، فرأى شمس الدين ابن الصائغ ما يمرّ من الفواكه على وجه الماء وصار يتناول ويأكل ما استطاب ويضع قدامه منه ما أعجبه ثم التفت لابن تميم وقال له: أنت يغنيك هذا النهر عن شراء الفاكهة بفيض فضله العميم. وأنشده في الحال ارتجالًا:

يقول وقد رأى ثورا خليلي

أيكفيكم فلا تشرون شيئًا ... فقلت له نعم ونبيع أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت