لقد عاش الإنسان في تلك الحقبة من الزمن على شكل جماعات صغيرة، متنقلًا، باحثًا عن الصيد في المناطق التي توافرت فيها وسائل عيشه، من ماء ونبات وحيوان وأحجار صوان. وكان عدد أفراد تلك الجماعات قليلًا بدليل ضآلة عدد الأدوات الحجرية التي اكتشفت في كل موقع من تلك المواقع المسكونة. فمثلًا لم يجدوا في موقع ست مرخو، شمال اللاذقية، أكثر من عشرين أداة، أما في موقعي اللطامنة والقرماشي فقد وجدوا حوالي أربعمائة أداة، لم يكن سكان تلك المواقع معزولين عن بعضهم البعض، فهنالك عدة مؤشرات تدل على تواصلهم وتشابه نمط معيشتهم ونظام حياتهم. وكان على رأس كل جماعة أب أو قائد يأتمرون بأمره، فيقودهم إلى الأماكن الصالحة عند حصول اضطراب في مسيرة حياتهم اليومية. وقد عرفوا إشعال النار للتدفئة والطبخ منذ نصف مليون عام تقريبًا.
كان الجليد يغطي النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وفي نهاية العصر الجليدي الوسيط تراجع الجليد، وبدأ الدفء يعم أرجاء القسم الجنوبي من أوروبا، وأواسط وجنوبي آسيا. ومنذ حوالي (12) ألف عام ق.م. أخذ سكان الهلال الخصيب يخرجون من كهوفهم الجبلية ويتجهون نحو المناطق الساحلية، فأنشؤوا بيوتًا صغيرة محفورة في سفوح الجبال، وهكذا بدأت بعض القرى تظهر للوجود.
وفي أوائل العصر الحجري الحديث Neolithique (أي بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد) ، أخذ الإنسان في بلاد الشام يتحول من الصيد والقنص إلى التقاط الحبوب والثمار وزراعة الأرض ببعض المحاصيل. ويعتبر موقع أريحا جنوب البحر الميت، وتل أسود في غوطة دمشق، وتل شيخ حسن في حوض الفرات، من أقدم المستوطنات التي نشأت فيها قرى زراعية وبيوت سكنية تكسوها قطع القرميد. وقد وجد فيها مجموعة كبيرة من الأدوات الزراعية كالأجران ورحى الطاحون إلى جانب بعض الأواني والفؤوس الحجرية.