على أن هذه الطريقة لم تكن ـ فيما يبدو لنا ـ من ابتكار أبي حنيفة، فهي قد ظهرت لأول مرة في كتب الأدوية المفردة، وأول كتاب ـ حسب علمنا ـ عرف فيه العرب هذه الطريقة هو كتاب"المقالات الخمس"ـ ويسمى أيضًا"كتاب الحشائش"لديوسقريدس، وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، وقد كان له أثر واسع فيما ألَّف العرب في الأدوية المفردة منذ القرن الثالث. وليس غريبًا من عالم موسوعي مثل أبي حنيفة أن يسعى إلى الاطلاع على تلك المؤلفات وأن يقتبس منها. ولعل أصدق دليل على ذلك ميله إلى ذكر الخصائص العلاجية لبعض النباتات، ثم إشارته في إحدى مواد كتابه إلى"المتطببين"ـ وهم الأطباء ـ فقد قال عن"العنصل"ـ فيما رواه عنه ابن البيطار ـ:"ويعظم حتى يكون مثل الجمع، ويقع في الدواء، ويقال له العنصلان أيضًا، وأصوله بيض (....) ، والمتطببون يسمونه"الاشقيل" (40) ، إلا أن هذا الاقتباس من الكتب الأخرى لا ينقص من أهمية أبي حنيفة وكتابه في تاريخ علم النبات عند العرب، ولو لم يكن له إلا فضل جمع المادة النباتية العربية وتبويبها تبويبًا علميًا منهجيًا لكفاه ذلك فخرًا."
2 ـ مرحلة الترجمة:
لقد عني العرب من بين ما عنوا به من العلوم الأعجمية بعلم النبات، ولكن عنايتهم به تعتبر ضئيلة إذا قيست بما أولوه للطب والفلسفة من عناية. فالكتب النباتية الأعجمية التي وصلتنا ترجماتهم لها نادرة جدًا، ولا يبلغ عددها الخمسة وهي:
أ ـ كتاب"النبات"لأرسطو": قد وصفه اليعقوبي (ت: بعد 278هـ/891م) ، في"تاريخه"وقال عنه أنه"في الإبانة عن علل النبات وكيفياته وخواصه وعوامه وعلل أعضائه والمواضيع الخاصة به وحركاته". (41) . ولكن يبدو أن العرب لم ينقلوا هذا الكتاب بل نقلوا تفسيره الذي وضعه نيقولاوس الدمشقي، وقد نقل هذا التفسير إسحاق بن حنين وأصلحه ثابت بن قره (42) بعنوان"تفسير كتاب أرسطاطاليس في النبات"."