وما يمكن استنتاجه مما سبق هو أن أبا حنيفة قد طور التأليف في كتب النبات اللغوية وأدخل عليها منهجًا جديدًا لم يكن متعارفًا من قبله عند علماء اللغة. وأهم سمات ذلك المنهج الجديد إحلال أبي حنيفة في كتابه ما نريد تسميته بـ"الفقرة النباتية". ونعني بالفقرة النباتية التعريف المتكامل بالنبات، وهي مما اختصت به كتب الأطباء والصيادلة المؤلفة في الأدوية المفردة وقد ركزها هؤلاء على أركان قارة متفاوتة العدد من عالم لآخر، وقد ظهر منها في كتاب أبي حنيفة أربعة أركان: أولها التعريف اللغوي المحض، وثانيها التعريف العلمي بخصائص النبات، وثالثها التعريف بمنافعه، ورابعها التعريف بمواضع نباته. ونذكر من الفقرات"التامة"عنده ما أورده في مادتي"ثيل"و"حناء": فقد عرف النبات الأول بقوله قال أبو عمرو: الثيل يقال له النجم، والواحدة نجمة (....) ، وقال بعض الرواة: الثيل نبات يشبك الأرض (....) ، ورقه كورق البر إلا أنه أقصر ونباته فرش على الأرض يذهب ذهابًا بعيدًا، ويشتبك حتى يصير على الأرض كاللبدة، ولذلك سمي الوشيج (....) ، وله عقد كثيرة وأنابيب قصار، ولا يكاد ينبت إلا على ماء أو في موضع تحته ماء، وهو من النبات الذي يستدل به على الماء (38) ، وعرف النبات الثاني بقوله:"حناء": واحدته حناءة، وبه سمي الرجل حناءة، واصله الهمز (....) ، وشجر الحناء شجر كبار مثل شجر السدر، وللحناء فاغية وهي نورته، وبزره عناقيد متراصفة إذا تفتحت أطرافها شبهتها بما ينفتح من الكزبرة إلا أنها طيبة الرائحة، وإذا تحات نوره بقيت له حبة غبراء صغيرة أصغر من الفلفلة (....) ، وشجره يورق في العام مرتين، أي يؤخذ ورقه، والحناء بأرض العرب كثير. فأما الخضاب فقد وصفناه في باب ما يختضب به من النبات". (39) ."