فهرس الكتاب

الصفحة 914 من 23694

فأما أعداؤه فقد أدركوا منذ حين بعيد أنهم لا يستطيعون أن يقيموا هذا الجيل من الناس اليوم، -وهو فهم يهدف إلى السيطرة والاستثمار والغلبة والاحتواء والالتهام- إلا إذا فهموا جذوره الأولى، وأدركوا بدايات هذه الجذور أو عرفوا تربتها ومسالكها إلى النمو ليكون عملهم نقيضًا لهذا النمو وتضادًا معه.. ولذلك وضعوا أيديهم على كل مظاهر الفرقة فيه، فأحيوا هذه الفرقة، وأمسكوا بكل مظاهر الضعف فأفادوا منها لتأصيل هذا الضعف، وفقهوا كل أسباب القوة والإبداع فقطعوا هذه الأسباب إلى كل مظاهر الإبداع.. ولم يدعوا منفذًا من منافذ الشك إلا سلكوه إليه ولا صورة من صور التوهين إلا أهالوها عليه.

وأما أصدقاؤه فقد رأوا فيه كذلك بداية التعرف إلى الذات، ولكن لا لطمسها كما فعل الأعداء، بل للانطلاق بهذه الذات، وأيقنوا أنهم حين يريدون أن تخلص حياتهم في الحاضر مما أصابها من عوج أو أمت فإنهم لا بد لهم أن يتبينوا مصادر هذا العوج وبدايات هذا الامت، وأن يكونوا من ذلك على بصيرة.. وإنهم حين يريدون الإسهام في الحياة الحضارية المعاصرة فإنهم لن يجدوا دوافعهم المحركة إلى ذلك إلا إذا استمدوا من هذا التراث ما يؤكد عندهم قدرتهم ويضع أمام أعينهم تجاربهم السابقة.. إن هذا التراث هو جواز دخولهم إلى موكب الحضارة المعاصرة ومشاركتهم فيها.

التراث إذن والاهتمام به ليس عملًا تاريخيًا ماضويًا بقدر ما هو عمل حياتي مستقبلي.. والأمر لا يمكن أن يبقى، كما هو الآن، في حدود الوفاء النظري له والإشادة العاطفية به.. وإنما هو كذلك، أو قبل ذلك، في الانتفاع به، والوفاء لأنفسنا من خلاله.. إنه ليس زينة، ولكنه سلاح.. وليس تباهيًا وإدلالًا، ولكنه قبل ذلك نوع من الأعداء ولون من كسب الثقة بالنفس، والثقة بالنفس أشد ما تحتاج إليه الشعوب في هذا التفجر الحضاري المتسارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت