ومن أجل هذا اكتسب التراث في نفوسنا نوعًا من القداسة.. لا أستعمل الكلمة بمعناها أو بظلالها الغيبية أو إنما أريد منها معناها الشاهد، معناها الموضوعي، الذي يولد في النفس العربية ألقها ويحفظ عليها بريقها وتوهجها، والذي يضع الأسس لإقرارها على أصول سليمة، تنطلق من القولة التي كان أطلقها أستاذنا المرحوم الشيخ أمين الخولي: إن أول الجديد قتل القديم فهمًا.
2-العمل للتراث في الماضي:
لقد ابتدأ الاهتمام بهذا التراث مع بدايات النهضة.. ولكن العناية به على مدى هذين القرنين: التاسع عشر والعشرين كانت هذه العناية الممزقة إن صح التعبير.. لم يكن لهذه العناية منهج مرسم، ولم يكن وراءها نظرة كلية سابقة على العمل، ولم تنهض به قوة واحدة مؤتلفة..
كانت قوى الوطن العربي والبلاد الإسلامية مشتتة، وقد جوبه الاهتمام بهذا التراث مشتتًا.. بدأ كل من حيث استطاع أن يبدأ، وعمل كل في الاتجاه الذي استطاع أن يعمل فيه.. ونهضت الحكومات أحيانًا بهذا العبء في بعض البلاد، مصر مثلًا، واحتمل العبء مؤسسات أو أفراد أو جماعات في بلاد أخرى.. وانعكست كل مظاهر التجزئة النفسية والفكرية والسياسية على العمل في هذا التراث حين عملنا له وعلى إهماله حين أهملناه..
واستبدت بالتوجه نحوه والعمل له اتجاهات مختلفة يمكن أن تكون موضع بحث دقيق خاص، لعل هناك من ينهض به ويربط بينه وبين مظاهر الحيوات الأخرى..
وأصبحنا ندرك بوضوح، يومًا بعد يوم، أن هذا التراث -وهو بطبيعة الحال تراث مشترك- لا بد فيه من عمل مشترك، وأن ثقل الحمل يقتضي، أول ما يقتضي، التعاون على حمله، وأن انتسابه إلى الوطن العربي والبلاد الإسلامية يحتم أن يكون العمل فيه نقطة التقاء بين أطراف الوطن العربي والبلاد الإسلامية.. وأن النظر الجزئي له إنما هو استمرار لروج التجزئة، والعمل المشتت فيه إنما هو تغذية لهذا التشتت والفوضى، وإطالة لطريق الهدف، وتعويق لحركاتنا في الوصول إليه.