ويعد القسم الثاني من الكتاب تطبيقًا عمليًا لما اعتمده نظريًا في موضوع السرقات الأدبية فابن وكيع"قبل أن يمضي في سرد سرقات المتنبي يقرر أنواعها ويحدد للقارئ وجوهها ويعرفه ما يوجب للسارق الفضيلة وما يلحقه الرذيلة، أي أنه يضع أساس منهجه قبل الحكم على سرقات المتنبي" (15) .
وموقفه من السرقات قائم على أساسين:
1-السرقة الأدبية، قديمة، تعم القدماء والمحدثين، فلا معنى لأن يدعي أنصار أبي الطيب أنه عار عن السرقة، وأن ما يقوله جميعًا من اختراعه وابتداعه.
2-هناك فرق بين السرقات المقبولة أو المحمودة وبين السرقات غير المقبولة أو المذمومة.
وجعل ابن وكيع السرقات المحمودة عشرًا، والسرقات المذمومة مثلها عشرًا فمن السرقات المحمودة استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل كقول طرفة:
أرى قبر نحام بخيل بما له كقبر غوي في البطالة مفسد
اختصره ابن الزبعري فقال:
والعطيات حساس بيننا وسواء قبر مثر ومقل
فقد شغل صدر البيت بمعنى، وجاء ببيت طرفة في عجز بيت أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح"اهـ. فهذا مثال مما ذهب إليه."
وفرق ابن وكيع -كغيره ممن سبقه، كالحاتمي مثلًا- بين السرقة من المعاني المألوفة المشهورة، حيث لا تعد السرقة سرقة، وبين السرقة التي يستحق صاحبها اسم السرقة.
ويرى الدكتور هدارة أن تعنت ابن وكيع في دراسته لسرقات المتنبي جاء من طبيعة قسمة السرقات بحسب منهجه من جهة ولربطه ذلك بأنواع البديع التي قدمها في أول كتابه.
ونقرأ في مقالة قريبة العهد عنفًا بابن وكيع وهجومًا على منهجه وعمله النقدي.
"فابن وكيع شاعر الزهر والخمر-يعني كما لقبه بذلك الدكتور نصار- ولم يكن باحثًا مجتهدًا أو على الأقل كالمتنبي مطلعًا دؤوبًا" (16) .
وتمضي المقالة حماسية إلى آخرها، مع محاولة جادة للتحليل والتعليل. ولكننا من جهة أخرى نجد الكتاب والنقاد الذين أفادوا من مقدمتي ابن وكيع، واقتبسا عنه، والتزاما بما اقترحه من موازين نقدية.