ومن هنا نجد أن شخصية البيروني قد تبلورت فيها وتمثلت الروح العلمية السائدة في ذلك العهد تمامًا، وأنه يستحق في الواقع أن يوضع في صف الفارابي وابن رشد، فكما أنهما قاما بتصحيح الكتب المنقولة عن الفلسفة اليونانية كذلك قام البيروني بتصحيح وتهذيب علم الهيئة والجغرافية من جديد، ودوّن العلوم الهندية في العربية من جديد.
6-علاوة على تميزه وبروزه في هذا الصف فإنه يحتل مكانة أرفع تختص به، كان أبو نصر الفارابي وابن رشد يجهلان تلك اللغة التي اشتغلا بتهذيب وتصحيح فلسفتها، فكان جل اعتمادهم على التراجم العربية القديمة، ولذلك لم يتمكنا من استيفاء التصحيح، فظلت بعض الأخطاء التي نشأت في بداية عهد التراجم قائمة على قدم وساق، فمثلًا نسب الفارابي إلى أرسطو تصريحًا في"الجمع بين الرأيين"يستند في الواقع إلى بلاتينس المنشيء للمدرسة الأفلاطونية الحديثة بالاسكندرية، حتى أن المدرسة الأفلاطونية الحديثة نفسها ظلت العرب واقعة عنها في خطأ وهو أنها ما زالت تحسبها مدرسة أفلاطون، والمحاولة التي بذلها الفارابي في تحقيق الجمع بين أرسطو وأفلاطون كانت منحرفة في أساسها فكانت تبتنى على نفس الخطأ.