فهرس الكتاب
لنفتح الآن الكتابين معًا. يقول غينون ما معناه:"أن موضوع الميتافيزياء الشرقية يسمح باستخلاص قيمة رمزية حقًا من خلال ظاهر نص الموضوع المكتوب لأن تلك الميتافيزياء تنبجس من حقيقة متعالية تخرج عن حدود كل وصف لفظي. وعلى خلاف ذلك لا يمكن أن تكون قيمة التفسير للفلسفة الغربية رمزية لأنها نتيجة الذكاء التحليلي". ولهذا السبب كان ترتيب"فصوص الحكم"وأسلوب عرضه رمزيين وباطنيين. وثَمَّتَ فوق ذلك اقتصاد في النهج بحيث لو كان الشعر- كما يقول"إزراباوند"- الحد الأعلى من المعنى معروضًا في الحد الأدنى من اللفظ لدخل هذا الكتاب بطبيعة الأمر في مجال الشعر، مع أنه لم يكن قط من الشعر الخالص ولا من الأدب الخالص. لقد بذل كركغارد جهده لكي يجعل من قصة إبراهيم رمزًا. ولكن تتلامح في كتابه ثلاثة أنواع من قيم تفسير القصة نحن مجملوها هنا. النوع الأول يظهر في النسق الاستدلالي المنطقي الجاف للفيلسوف. النوع الثاني يكمن في تحليل أحوال النفس والهوى الجامح. إيراد هذه الأمور بشكل قصصي بسيط غير لائق لدى بعض الناس في الشرق. ولكن كركغارد يستحوذ عليه حافز الرواية حين يفسر قصة إبراهيم. ذكر هو نفسه أن أهم عنصر في تلك القصة اعتلاج عواطف إبراهيم وما يجري في خاطره لما عزم التضحية بولده. وعلى خلافه ابن عربي. فهو لم يُلقِ بالًا إلى عالم النفس.
بل كان مغزى التضحية عنده يثوي في دلالتها الروحية. كان كركغارد يعتبر القصة أفضل وسيلة للتعبير عن الفلسفة. والقصة بطبيعة الأمر لا تتجاوز حدود عالمي الجسم والنفس.
وبسبب ذلك لا يستطيع هذا النهج أن يأخذ قيمة رمزية. النوع الثالث من قيم التفسير في كتاب كركغارد أن أسلوب المؤلف أسلوب واعظٍ شديد التعنيف لا يلتزم الهدوء ولا يبغي الاعتدال في عرض آرائه ولا في بيان نوازع الهوى الجامح، بل يتلذذ فيشيد بالعاطفة القوية العنيفة.