فهرس الكتاب
ويشعر القارئ في عدة مواضع من الكتاب أن المؤلف من خلال الكتابة يريد أن يثير تلك العاطفة في نفسه هو وفي نفوس قرائه. أما ابن عربي فلم يسع قط للتأثير في القارئ ولا في غيره. بل كان يختار الألفاظ التي تلائم أفضل الملاءمة أفكاره وتناسب أدق المناسبة عرفانه الروحي. هذا العرفان ذو صفة خاصة. ليس فضلاتٍ مجمَّعة من ميدان الاطلاع والعلم ولا يرتدّ إلى نوع من الذكاء التحليلي. إنه معرفةٌ يتحد فيها العارف وموضوع المعرفة ويؤلفان أمرًا واحدًا. وبهذا الاعتبار لم يكن ابن عربي في بحثه شاعرًا. هذا على أن كركغارد يضع الشعر في أعلى مراتب الكمال. والشاعر في رأيه حين يقايسه بالبطل امرؤ لم يستطع أن يبلغ شأو البطل ولكنه يدرك عظمة أعمال البطل ويشيد بها مديحًا. والملكات التي يعتمدها الشاعر هي العواطف والهوى والذكاء التحليلي والخيال. أما المعرفة عند ابن عربي فتتحصل بالعقل المحض وقوة الإدراك وهي روحانية صرف. هذه المعرفة الميتافيزيائية- على حد تعبير غينون- ليست نفسية ولا بشرية بل هي تأتي مما يتجاوز الأشياء كلها. يجوز ألاّ نوافق على وجهه النظر هذه. ولكن الذي ينبغي تذكره في هذه الموازنة هو أن ذلك النظر المتجاوز حاصل في الخطوط الخلفية من"فصوص الحكم"وهو لم يخامر قط فكر كركغارد.
إن مركز الاهتمام والتأمل في كتاب"الخوف والرجف"إبراهيم حقًا. بيد أن المؤلف يعتبر إبراهيم رجلًا كسائر الناس. لقد ابتُليَ إبراهيم ابتلاءً جسيمًا ولكن ليس بين نفسيته ونفسية غيره من فرق. ويُلحّ كركغارد على الصفة الإنسانية في إبراهيم وينسب إليه ضربًا من الانفعال العاطفي. أما ابن عربي فلم يتعرض قط لذكر وجه إبراهيم الإنساني. الجدير بالبحث عنده درجة نبوّة إبراهيم. ولقد أراد أن يكشف عن سر درجة هذه النبوة. في أعماق فكر كركغارد أن المرء يمكنه أن يصل إلى مرتبة إبراهيم بفضل الإيمان إذا حل في نفسه، ذلك الإيمان الذي لم يجده كركغارد في نفسه هو.