فهرس الكتاب

الصفحة 968 من 23694

الأخلاق الغربية في نظر كركغارد هي التي توجه المرء وتشرف خاصة على حياته في المجتمع. ولذلك يُبوّئها مكانة كبيرة. أما الأخلاق الشرقية فلا تتعلق بالحياة في المجتمع ولا بالإنسان. إنها بكليتها ميتافيزيائية، بل نقول إنها فرع من الميتافيزياء. فلا يمكن إذن أن يقع تعارض بين الأخلاق والعظمة الروحية. بل وراء ذلك إذا لم تَنْتم الأخلاق إلى مجال الروح فإن الشرق يعتبرها لونًا من اللغو والعبث. وقد ذهب ابن عربي إلى القول بكل هدوء: إن كل ما يحدث في العالم هو خير دائمًا. وكثيرًا ما هتف"تنشي"بلزوم تجاوز حدود الخير والشر حتى بدت صرخاته على عكس مقاصدها باطلة وذهبت هدرا. هنا تبرز الشقة شاسعة بين أخلاق الشرق وأخلاق الغرب.

ويجدر بنا أن نفهم أن مضمون ما يدعوه كركغارد"الإذعان والقبول"ليس سوى الضيق الخارجي الذي يرزح المرء تحت عبثه ولا يثور عليه، بل يقبله بصمت لأنه يعلم أن تلك مشيئة الله. وسواء أسَمَّيتَ ذلك إذعانًا غير متناه أم سميته رضا مطلقًا فإنه لا يتغير من الأمر شيء. أما ابن عربي فيرى أن المصائب لا تأتي من الخارج لأنها هي أيضًا من متطلبات الأعيان الثابتة. حتى أولئك الذين يخلدون في جهنم يشعرون بعد أمد بعذوبة العذاب لأن العذاب يناسب مقتضيات طبائعهم الأولى.

وجملة القول أن كل تبريح صدى يشفّ عن طبيعة المرء العميقة. وتختلف مواقف الناس تجاه الكوارث. فمن جهل طبيعته الأولى فلم يفقه حقيقة تعاسته تمرد على الضيق والتبريح وجأر بالشكوى إلى الله أو منه، ومن عرف أن المصيبة جاءت من عند الله لبث صامتًا. أما من تحققت معرفته لعينه الثابتة وجد في الألم خاصية لكيانه وشهد فيه جنة ربه. هذه المعرفة ضرب من الجهد يرضي به العبد ربّه. وهذا هو الرضا الحقيقي، وتلك المرتبة الروحية هي التي وصل إليها إبراهيم وولده الذي استجاب لعزيمة أبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت