فهرس الكتاب
نقول بالتعبير الصوفي: إن المخلوقات ظهرت إلى الوجود لما تراءت الأسماء الإلهية في الأعيان الثابتة. كل من هذه الأعيان يتلقى الفيض. الإلهي الذي يقتضيه. وهذا الفيض الإلهي الذي يتجلى في كل مخلوق يدعى ربّه. فيدعى المخلوق مقابل ذلك بالعبد أو المربوب. ويعطي الرب مربوبه الأوامر التي ترغب فيها طبيعة المربوب. ولذلك امتنع أن نتلقى أوامر تكون مخالفة ومضادةلأعياننا الثابتة. وجملة ما هنالك أننا نتلقّى أوامرنا التي نأمر بها أنفسنا وهي تفعل وتؤثر فينا. وكل عبد يرضى عنه ربه ويحبه إذا تصرف كما تقتضيه طبيعته الأصلية.
ففي هذه الأخلاق الميتافيزيائية تكون الفضيلة قائمة فيما يبذله الإنسان من جهد لمعرفة عينه الثابتة وما تقتضيه تلك العين. ويكون الشر في إهمال المرء معرفته لهذه الماهية الثابتة وإغفاله لها. فمعرفة العين معرفة صحيحة حكمة النفس.
(من عرف نفسه فقد عرف ربه) النفس هنا النفس الهادئة المطمئنة الداخلة في الفكر المطلق غايتها إنجاز مشيئة الله وما رسمه لها. يقول ابن عربي في هذا الصدد:"فَفَضلَ إسماعيل غيره من الأعيان بما نعته الحق به من كونه عند ربّه مرضيًا. وكذلك كل نفس مطمئنة قيل لها: (ارجعي إلى ربك) فما أمرها أن ترجع إلا إلى ربها الذي دعاها فعرفته من الكل (راضية مرضية. فادخلي في عبادي) من حيث ما لهم هذا المقام فالعباد المذكورون هنا كل عبد عرف ربه تعالى واقتصر عليه ولم ينظر إلى رب غيره مع أحدية العين. لابد من ذلك (وادخلي جنتي) التي بها سِتْري. وليست جنتي سواك فأنت تسترني بذاتك فلا أعرف إلا بك كما أنك لا تكون إلاّ بي".