فهرس الكتاب

الصفحة 966 من 23694

وهو على الرغم من ذلك يعتبر رسولًا. ومن الواضح التنافي بين أن يكون المرء مجرمًا وأن يكون رسولًا لله. وقد حسب كركغارد أنه وجد حلًا لهذه المشكلة حين نوّه بوجود حالٍ يتهافت فيها العام والأخلاق ويتجاوز فيها الرجل العظيم المقولات الأخلاقية كُلَّها. وينجم مما سبق أن إبراهيم قد بلغ تلك الحال حين نبذ قواعد الأخلاق فلزمه في نظر كركغارد أن يتصرف على هذا النحو لكي يحقق عظمته تلك.

لِنَُقلْ فورًا: إن ابن عربي لا يتأمل قضية إبراهيم من الوجهة الأخلاقية، وهي وجهة تهتم بالأعمال والعواطف، وهذه كلها تنضوي في مجال النفس. وإنما كان موضوع تأمل ابن عربي ميتافيزيائيًا كما سلف. حتى لو تأملنا قضية إبراهيم هذه من زاوية الأخلاق لما كان ثَمَّتَ من تناقض لأن فحوى الأخلاق عند ابن عربي ليست ما يعتقده كركغارد ولا ما يعتقده معه الغرب. في رأي كركغارد أن الله أمر إبراهيم أمرًا فيه ظلم فكان يسعه طاعة هذا الأمر أو رفضه. ولكنه لو لم يطع الله لما أمكن أن يكون رسوله. ولكي يكون رسولًا تصرف تصرفًا منافيًا للأخلاق وأطاع أمر ربه. أما في رأي ابن عربي فالصراع بين الجبر والاختيار خدعة. الجبر أن يقع منا عمل يخالف محض إرادتنا.

ولكن الله يرسل إلينا الأمر الذي تتطلبه أعياننا الثابتة وتقتضيه. ومعنى ذلك أننا نتلقى ذلك الأمر الذي أُمرْنا به من طبائعنا الأصلية وأن ما نفعله ليس إلا تحقيقًا وإظهارًا لتلك الطبائع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت