فهرس الكتاب
(ومرضاة الله لا تتّشح بوشاح عاطفي وسنشرح مضمونها الميتافيزيائي عما قليل) . فعظمة إبراهيم إذن هي في كشفه لحقيقة الرؤيا.
وبالجملة لم يكن إبراهيم في رأي ابن عربي رهن مشكلة عاطفية أو خلقية، وإنما كان يواجه مشكلة المعرفة الجوهرية أو الحقيقية.
كثيرًا ما قال كركغارد وأعاد أن إبراهيم تخطّى مبادئ الأخلاق. لِنَرَ ما معنى الأخلاق عند كركغارد. نه يلح منذ مستهل الكتاب على أن"الأخلاقية"والكلية ليستا إلا شيئًا واحدًا. ويقع هنا اختلاط أساسي لأن كركغارد شأنه شأن بقية الفلاسفة الغربيين لا يميز معنى"العام"من معنى"الكلي". فالكلي ما وراء الجزئي والفردي. والعام شمول الفردي والجزئي وتكررهما أي"ما صدقهما"على حد تعبير المنطق. فلو عمد كركغارد إلى ذلك التمييز ثم قال: إن الكلية والأخلاقية أمر واحد لما وجد تناقضًا بين عمل إبراهيم ومبادئ الأخلاق. وبسبب ذلك التمييز عند ابن عربي لم تعرض تلك المشكلة أصلًا له. ذلك أن مؤلف الفصوص ينظر لتلك الحادثة جملتها من وجهة ميتافيزيائية، وأن كركغارد ينظر لها من وجهة بشرية واجتماعية. ومن هذه الزاوية الأخيرة يجوز أن يكون العام أساسًا لقواعد الأخلاق. فيبدو التعارض عندئذ واضحًا بين الأخلاقية وفعل إبراهيم، وقد بين ذلك كركغارد بيانًا جليًا. تقتضي الأخلاقية أن يذوب الفردي في"العام"بعد أن يطيح بفرديته وبصفته الجزئية. العام يُلزم أن يحب الأب ابنه. بيد أن إبراهيم عزم ذبح ابنه. ففي نظر"العام"والأخلاقية يبدو إبراهيم مجرمًا وقاتلًا. لو كان يقارف ذلك الجرم في سبيل مصلحة أمته كما يفعل بطل المأساة لرمقته الأخلاق بعين الرضا. ولكن إبراهيم كان عمله لذاته ولله. فهو ليس بطلًا مأساويًا، ولا يسع الأخلاق أن ترضى عن عمله.