واليوم ماذا يمكن أن نقول هل نعرف نحن العرب مكانة علمائنا.. هل نعرف قدرهم ومنزلتهم هل نهتم بهم مثلما يهتم بهم غيرنا على الأقل. ماذا فعلنا من أجلهم، ان معاهدنا وجامعاتنا مقصِّرة في هذا المجال. ليس يكفي أن نذكرهم كلما مرت مناسبة، أو انقضى من الأعوام ألف. ليس يكفي أن نكتب عنهم: ونقول أنظروا ماذا فعل أجدادنا وتأملوا حسن صنيعهم. فالبشرية تعترف بجميلهم وتحيي مجدهم.
وعلماء المشرق والمغرب يقدرون ويحترمون، في الغابر والحاضر، يقتدون ويترسمون خطواتهم في كل سبيل..
إذًا نحن بحاجة إلى اهتمام دائم بتراثنا، نحن بحاجة إلى النظر فيه باستمرار ونشره وإحيائه. وأن تتسلمه أيد أمينة مخلصة، أيد مؤمنة صادقة تخاف الله وتؤمن به وتعمل في سبيله. أيد نظيفة لم تلوثها نزعات الهوى. ولا زيغ القلوب والضمائر، أيدٍ تعمل بصدق، وتكتب بصدق،، وتسعى دائمًا إلى الصدق.
آخر ما قرأته لكم هذه النادرة التي تدل على مجدنا العلمي المبكر.. كان ذلك في نهاية القرن الثاني الهجري. لقد انصرف عبد الله بن غانم يومًا من الجامع الأعظم بالقيروان، بعد صلاة الجمعة. فدخل عليه بعض أصحابه، فسأله ابن غانم؟ هل حضرت الجامع؟
قال: نعم.
قال ابن غانم: كيف رأيت؟
قال: رأيت أصلحك الله، سبعين قلنسوة تصلح للقضاء، وثلاثمائة قلنسوة عالم... فتوجع ابن غانم وقال متأسفًا:
مات الناس يا أبا الحسن!؟
اسأل الباحثين اليوم.. هل زاروا جامعاتنا؟ وكيف رأوا الناس هناك؟.
نعم.. ان الجواب سيكون مؤسفًا لو عرف آباؤنا الأولون في رموسهم هذا لأنكروا ذلك... فإلى الله نضرع أن يفتح لنا في تاريخنا المعاصر صفحة جديدة مطرزة بالمجد والكرامة والعزة لعل أجيالنا تكمل رسالة العلم والحياة والحضارة في ربوع العالم.
وجدير بمن كان ماضيه حريًا بالإعجاب والتقدير أن يصل الحاضر بالماضي ليسير في الركب لأن ركب الحضارة يسير حثيثًا مستندًا إلى أصالة نبيلة وإلى ماضٍ مجيد يزيده علمًا وطموحًا وأملًا...