كان أبناء الجزيرة العربية خلال هذه المرحلة يعتمدون في تواصلهم اللغوي بصورة (إرادية) حركات جهاز النطق: (شفة -لسان -فم -فك علوي -فك سفلي -رأس) وما إليها من الحركات الجسمية الإرادية الأخرى مترافقة بالضرورة مع الأصوات المساعدة. وبتقصياتي الأثرية والتاريخية الجيولوجية والدينية والاجتماعية، قدرت أن هذه المرحلة تتوافق مع الحياة الزراعية التي تزعمتها المرأة العربية في الجزيرة العربية بعد الألف (12) ق. م.
فتعبدها الرجل ربة للخصب تارة وربة للزراعة والجمال تارات أخرى، ثم انتقلت عبادتها مع الموجات البشرية التي طردها جفاف ما بعد العصر الجليدي الأخير من الجزيرة العربية منذ الألف (9) ق. م إلى المناطق الزراعية المجاورة ألف عام بعد ألف. فكان لهذه العبادة طقوسها في الأساطير السومرية والبابلية والكنعانية والفرعونية، ثم اليونانية وما إليها. وذلك أرثًا أنثويًا عن المرحلة الزراعية العربية.
أما ما تبقى من الحروف العربية التي تستمد معظم معانيها من خصائصها الصوتية فقد أطلقت عليها مصطلح الحروف (الإيحائية) . وهذه الحروف تنتمي إلى أرقى مراحل تطور اللغة العربية التي تتوافق مع طبيعة الحياة الرعوية في الجزيرة العربية التي بدأت تقديرًا أيضًا منذ الألف (9) ق .م. ففي هذه المرحلة اعتمد العربي الراعي الخصائص الصوتية للحروف العربية صرفًا بلا حركات جسمية إلاّ ما يقتضيه النطق بها، وذلك لعدم جدواها عبر المسافات الطويلة وهو يرعى القطيع نهارًا، ولا عبر الظلام وهو يحرسه ليلًا.
وقد استعاد الرجل المحارب مالك القطيع من المرآة زعامة المجتمع. فكان لألوهيته المقام الأول في الأساطير الآنفة الذكر، إرثًا ذكوريًا عن المرحلة الرعوية، وكان للمرأة فيها المقام الثاني.