وَمِنْ صِلَتِهِ بِالإِْبْرَاءِ مَا جَاءَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ (التَّرْكِ) كَأَنْ يَقُول: تَرَكْتُ الدَّيْنَ، أَوْ: لاَ آخُذُهُ مِنْكَ، فَهِيَ كِنَايَةُ إِبْرَاءٍ. وَلَكِنْ نَقَل الْقَاضِي زَكَرِيَّا الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ إِبْرَاءٌ صَرِيحٌ. وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُقْرِي (1) .
وَالتَّرْكُ يُسْتَعْمَل لِلإِْسْقَاطِ عُمُومًا بِحَيْثُ يَحْصُل بِهِ مَا يَحْصُل بِلَفْظِ الإِْسْقَاطِ وَيُعْطَى أَحْكَامَهُ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَادِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُ الإِْسْقَاطُ فِيهَا إِلَى قَبُولٍ - كَالإِْبْرَاءِ عِنْدَهُمْ - فِي حِينِ يَحْتَاجُ لَفْظُ الصُّلْحِ إِلَى الْقَبُول (2) .
وَقَدْ يُطْلَقُ التَّرْكُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنِ اسْتِعْمَال الْحَقِّ دُونَ إِسْقَاطِهِ، كَتَرْكِ الزَّوْجَةِ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ وَمَنْحِهِ لِلزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ وَطَلَبَ الْقَسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل.
وَالْغَالِبُ أَنْ يُسْتَعْمَل لَفْظُ التَّرْكِ فِي الدَّعْوَى، فَالْمُدَّعِي فِي أَشْهَرِ تَعْرِيفَاتِهِ"مَنْ إِذَا تَرَكَ (أَيْ دَعْوَاهُ) تُرِكَ"وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ دَفْعٌ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَصَل لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي التَّرْكُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الْكَيْدَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيُلْزَمُ بِالاِسْتِمْرَارِ فِي الدَّعْوَى لِلْفَصْل فِيهَا. وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي كَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُ طَلَبُ دَفْعِ التَّعَرُّضِ (3) .
(1) إعانة الطالبين 3 / 152، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني 6 / 305 ط صادر، وشرح الروض وحواشي الرملي 2 / 481، 482
(2) شرح الروض 2 / 215 وحواشي الرملي عليه.
(3) حاشية ابن عابدين 4 / 419 ط الأولى بولاق.