فهرس الكتاب

الصفحة 10260 من 23694

نقول حسنًا نحن نتغاضى مكرهين عن ظاهرة اليوم الأول.. ولكن ما سرّ الولائم التي تستمر طوال أيام العزاء؟. ففي اليوم الأول وليمة الأخ.. وفي اليوم الثاني وليمة الخال.. واليوم الثالث يتنافس عليه أبناء العم.. ويكون خميس الميت في العائلات المسلمة من أشد الأيام حركة وتوترًا.. فتكون وليمته أبهى الولائم.. وغالبًا ما يقدمها أغنى الأقرباء.. وتدخل المعزيات بعد أذان العصر وروائح الطعام الشهي ما زالت تفوح في المنزل المنكوب..

يقول منطقُ العُرف: إن هذه الظواهر أوجدت لإلهاء أهل المتوفى، وهي وجهة نظر معقولة.. لكن الذي يحصل أن أصحاب البيت والأقرباء.. كثيرًا ما يلجأون إلى الاستدانة لإقامة هذه الولائم.. التي تكلف آلاف الليرات السورية.. ويأكل منها من ليس بحاجة إلى كل هذا الطعام.. وإذا لم تقدم الأصناف اللائقة.. انتقد أهل المنزل انتقادًا شديدًا على تهاونهم وعدم تقديرهم للمتوفى واحترامهم للناس.. وللواجبات الاجتماعية.

وتقف الصبايا.. المرتديات الثياب الداكنة.. والمتجللات بالوشاحات البيضاء يقفن كالبدور المضيئة، يخدمن السيدات الهرمات المتصدرات موائد الحزن!!!

هذه الظاهرة بالذات.. تبدي لنا بوضوح.. تمسك الإنسان بالحياة.. فالتسلسل المنطقي للحياة، يجعل المُسنّ أقرب إلى بوابة الموت من الشاب.. وإذ يُقبل الهرمون والهرمات على التهام الطعام في المآتم.. فإنهم.. بهذا التصرف يدافعون بعنف عن وجودهم المهدد، ويقاومون اقتراب النهاية. وكأنهم.. في كل لقمة.. يؤكدون لأنفسهم، أنهم ما زالوا يعيشون.. وأن الدور لم يصل بعد إليهم.. وأن المتوفى هذه المرة لم يكن هم!! ولهذا يأكلون بشراهة..

إنها شراهة التمسك الوحشي بالحياة!!

وما أصعب تفهم النفس الإنسانية.. وما أصعب تفهم التقاليد!!

الطعام والحب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت