فهرس الكتاب

الصفحة 10265 من 23694

ومفهوم الجمال في الطبيعة يمتد من القرب إلى البعد.. ومن الجماد الثابت إلى الحيوان المتحرك. فالنجمة البعيدة التي نراها بأعيننا المحدودة.. نراها في أقصى حالات التوهج والجمال والإشعاع.. وتبدو هنا أجساد حيوانات الغابات القوية الضامرة في منتهى الجمال.. ونؤخذ بخفّة الغزلان ورشاقتها.. ولا تفوتنا متعة النظر إلى قرون الأيائل.. حتى الأفاعي بانسيابها المرعب وبهياكلها المتلوية، فهي تشكل آيات من الجمال لا يمكن إزاءها إلا السجود للخالق.

ويطل الإنسان، بوصفه المخلوق العاقل.. الساعي إلى الكمال.. ضمن هذه اللوحات البدائية الرائعة، فنجد أن الإنسان البدائي، إنسان جميل متكامل العضل، خفيف الحركة، قوي متوثب.. فالرجل رجل.. والأنثى أنثى بشعرها الهيولي الساتر لجسدها المتناسق.. وكل ما في هذا الإنسان البدائي يعبِّر عن جمال الطبيعة البكر!

وتبدأ الحضارة.. ويكتشف الإنسان لذائذ الطعام والشراب.. فيسترخي بعد الامتلاء، ساعات تحت الشمس الدافئة، يثرثر ولا يفكر، ويبدأ هذا الإنسان الجميل المنظر، المتناسق، الصحيح الجسم، بالتكوُّر والتدهور، فتنمو أعضاء من جسده على حساب أعضاء أخر.. وتضمر عضلاته من الكسل، وتترهل كتفاه من السكون.. ويكبر بطنه من كثرة الأكل، فيجد نفسه في النهاية يشكل نشازًا ظاهرًا في لوحة الطبيعة الجميلة.

ويتكرر الحمل والولادة عند المرأة.. وتنجب أولادًا دراكًا سنة بعد سنة، فتترهل عضلات بطنها، ويتمزق النسيج الشحمي تحت جلدها ويتهدل ما اكتنز من جسمها.. فإذا بها تصبح رجراجة الصدر ثقيلة الخطوات، هي أيضًا.. بكسلها وعدم حركتها.. نغمًا شاذًا في لوحة الطبيعة الجميلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت