فهرس الكتاب
وقد مر على تأليفه لمقدمته الشهيرة نحو ستمائة وخمس عشرة سنة. وبهذه المناسبة يجدر بي أن أبيِّن أن اللغة العربية ببيانها العلمي والأدبي قد تطورت تطورًا كبيرًا على خلاف المظنون مع محافظتها على هويتها وأصالتها. بيد أن ألفاظًا كثيرة فقدت جملة من مواكب إيحاءاتها، فليست تقع في الذهن ولا في القلب مواقعها إذ ذاك في التأثير والإفادة في ميدان المعرفة. ولهذا ربما تفيد قراءة المقدمة أحيانًا في ترجماتها الأجنبية للشعور بجدة التعابير التي اشتملت عليها زيادة على ضرورة قراءتها بالعربية أصلًا. نجد في المقدمة مثلًا لفظي التأنس والتوحش ونحن نقول اليوم بالتقريب التقدم والتأخر. كذلك ما يلحق بالمجتمع الإنساني من الأحوال والعوارض الذاتية واحدة بعد أخرى يريد المؤلف به شؤون التطور الذاتي وقوانينه وعلاقاته الذاتية. ثم اختلاف أحوالهم حسب حرفهم ومستويات معيشتهم. ولفظ التغلبات يريد به الحروب ونتائجها أحيانًا وهكذا... ولهذا نرى إنعام النظر في نصوص مقدمته لدى قراءتها وتأملها على ضوء التعابير الحديثة دون تبرم بجفاف التعبير العلمي الواضح المبين الذي يلتزمه المؤلف في زمنه.
جرى العلماء العرب على غرار أرسطو فقرروا أن العلم ناشئ عن العجب وأن العجب يدعو إلى بيان السبب. ومن المعروف أن الفلاسفة وعلى رأسهم أرسطو تناولوا منذ القديم فكرة السبب وحاولوا إيضاحها. وقد صنف أرسطو الأسباب في أربعة أصناف. ولا بأس أن نذكر بهذه الأصناف.
1-سبب مادي وهو المادة المصنوع منها الشيء.
2-سبب شكلي أو صوري وهو الشكل الذي للشيء.
3-سبب فاعل وهو أصل الحركة والسكون الذي يهب للشيء شكله أو صورته.
4-سبب غائي أو لمائي أي الغاية التي صنع لها الشيء أو الهدف من الشيء.
وتعاقب الفلاسفة في تأمل فكرة السبب وتعريفها. ومن أشهرهم في هذا الشأن ستوارت ميل الذي عرف السبب بأنه"المتقدم الدائم اللاشرطي".