فهرس الكتاب
ومعنى ذلك أن السبب هو المتقدم وأن السبب هو التالي المتأخر. فالسبب أو العلة متقدم بالزمان على المسبب أو المعلول. ثم إن المتقدم لا يكون سببًا أو علة إذا كان تقدمه دائمًا. ثم لا يكفي أن يكون المتقدم دائم التقدم بل يجب أن يكون تقدمه غير تابع لشرط آخر. فتتابع الليل والنهار مثلًا تتابع دائم ناشئ عن سبب آخر وهو دوران الأرض. فالليل ليس سبب النهار ولا النهار سبب الليل.
إن العلماء والفلاسفة حين يصلون إلى تعريفٍ ما للسبب يجرون عليه. حتى إذا وجدوا ظاهرة يخرج حدوثها عن حدود هذا التعريف اضطروا إلى تعديله أو توسعته. فلقد كانوا يعوّلون منذ حين على تعريف ستوارت ميل السالف.
ولكنهم عدلوه في العصر الحاضر واعتمدوا فكرة الاقتران أو التابع كما نقول في سورية أو الدالة كم يقال في مصر.
لنضرب مثلًا بسيطًا لبيان تصور الدالة أو التابع:
نقول مثلًا ع= جيب س.
في هذه العلاقة س متغير مستقل وع متغير تابع. وللاختصار نسميه تابعًا كما نسميه دالة لأنه يدلنا على تغير س.
ولكن يمكن أن نكتب: س= قوس جيبها ع.
وهكذا ينعكس الأمر: ع هنا المتغير المستقل وس هي المتغير التابع.
هذا هو معنى التابع الرياضي أو الدالة الرياضية أو الاقتران الرياضي. مثل هذا الاقتران موجود في الطبيعة.
لنأخذ كتلة معينة من الغاز يعرف حجمها وضغطها في درجة حرارة ثابتة.
يعطينا قانون بويل ماريوت هذه العلاقة الاقترانية:
ح × ض= ثا.
أي جداء حجم تلك الكتلة في ضغطها في درجة حرارة ثابتة ثابت.
نستطيع أن نكتب: ح= ثا/ ض
أي أن الضغط متغير مستقل والحجم متغير تابع. وبعبارة أخرى كل تغير في ضغط هذه الكتلة الغازية يستدعي تغيرًا في حجمها، أي أن تغير الضغط سبب تغير الحجم.
ويمكن أيضًا أن نكتب: ض= ثا/ ح
ويكون هنا الضغط تابعًا للحجم أي أن تغير الحجم هو سبب تغير الضغط.