فهرس الكتاب
نحن نعالج هنا ظاهرة خاصة بدت أهميتها في العصر الحديث وهي ظاهرة السكان أو المتغير الديمغرافي لإيضاح طريقة ابن خلدون في المعالجة ولإبراز جوانب مهمة في هذا المتغير وأثره المتبادل مع غيره. وذلك أن الديمغرافية تدخل في أعمق اختصاصاتنا.
عدد السكان متغير مستقل. يزداد فيرتبط به إذ ذاك جملة عوامل. فهذه متغيرات توابع. من هذه التوابع كثرة الأعمال وتنوعها وسعة الرزق ونفاق الأسواق ورفاهية الناس وازدهار التجارة وتقدم الصناعة وحصول الابتكار فيها.
يعقد ابن خلدون فصلًا"في أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرفه لأهلها ونفاق الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة". وينبغي أن نفهم من لفظ العمران هنا كثرة السكان. ولا بد من إيراد شطر طويل من هذا الفصل.
يقول المؤلف ببساطة ويسر:"والسبب في ذلك أنه قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه، وأنهم متعاونون جميعًا في عمرانهم على ذلك والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تسد ضرورة الأكثر منهم عددًا أضعافًا. فالقوت من الحنطة مثلًاُ لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه."
وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد ونجار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السنبل وسائر مؤن الفلح وتوزعوا على تلك الأعمال واجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات.