بالإضافة إلى ذلك، وبوضوح يمكن استنتاج ذلك من الأخبار التي لدينا حول البناء الشكلي للكتابين فالمشرقي يتألف من مائة باب وفي كل باب مائة بيت؛ أما كتاب ابن فرج فيتكون من مائتي باب، في كل باب مائتي بيت من الشعر. وهو بيان واضح لهذا نجد أن الشاعر الأندلسي حاول منافسة عمل المشرقي ومنافسته بكل اندفاع لما تعنيه كلمة التفوق.
ورغبة المنافسة هذه تضمنت روحًا قومية قوية، هذا ما نجده في كتاب الجياني إذ أنه حاول أن يظهر على كتاب المشرقي ابن داود بنتاجات كتبها الأندلسيون فقط. لقد حنق ابن فرج على الشعراء الأندلسيين للامبالاة التي يبدونها وحاول البرهنة في كتابه هذا على أن النتاجات الشعرية لأولئك الشعراء يمكن أن تشمل مجالات عديدة ومتنوعة وبنفس الجودة التي يتضمنها كتاب (الزهرة) على الأقل، والذي هو عمل معروف وذو قيمة علمية رفيعة وشهرة واسعة في العالم الإسلامي؛ وحتى لو ارتكبنا ذنبًا الزيادة في الإصرار. فمن المناسب أن نؤكد على أن هذه الميزة القومية التي كما رأيناها في أسلوب تكوين المختارات الشعرية الأولى ليست خاصة بعمل ابن فرفي إذ أننا نراها وبشكل غير مباشر تقريبًا في البنية الأساسية لكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه أو في الجواب الظاهر لأعمال ابن مغيث، وحسان بن مالك بن أبي عبدة أو في الجهد المثمر لعبد الرحمن بن أبي الفهد وهو شاعر في زمن المنصور بن أبي عامر.
إذ أنه لم يكن يبقي شعرًا جاهليًا ولا إسلاميًا إلا عارضه وناقضه (45) ملامح أخرى عن نفس الروح تلك قد بقيت لنا في بعض الحكايات والنوادر القصيرة التي جمعها المترجمون. في القرن التاسع الميلادي خرج يحيى الغزال من إسبانيا هاربًا محتجًا بذلك على الوجود الغريب الذي أبداه زرياب في بلده؛ وحينما وصل إلى المشرق كان يسخر من الذين يُسمون المشارقة بالأساتذة وذلك بنشر أبيات له على أنها لأستاذ المجددين الكبير أبي نواس.