فهرس الكتاب
أما قول اللجنة: أن نزع الخافض كثير شائع في اللغة وذهابها إلى أن بابه مفتوح لا يضبطه سماع أو يحده قياس، أقول إذا صح ما استنته اللجنة، فأقل ما فيه أنه موجب للبس، مقيس على نادر، متنكب عن الجادة في أساليب التعبير، وإذا شايعنا المجمع وجعلنا حذف الجار على (نزع الخافض) قياسًا جاز لنا أن نعدل بكل مجرور إلى النصب حملًا على ذلك، بل ساغ لنا أن نتحول عن حال كل فعل في اللزوم والتعدي إلى حال غير حاله دون ناظم، وهذا نهج لا يثمر في اللغة إلا انتقاض أحكامها واضطراب حبلها، وهذا ما لا مساهلة في دفعه ولا مياسرة في اتقائه.
وقد يتسع بعض الأئمة حينًا فيحملون ما نصب، وليس هو ظرف زمان أو مكان مبهم، على (نزع الخافض) ، لكنهم لا ينحلون الفعل في ذلك حكمًا في التعدية غير حكمه، كما نزع إليه المجمع اللغوي القاهري، وإنما يجرونه في ما جاء منصوبًا بغير عامل من فعل مذكور، فقد جاء (ملّة) بالنصب في قوله تعالى:"وهو اجتباكم وما جعل عليكم من حَرَج ملة إبراهيم -الحج"، فحملوا نصب (ملّة) على نزع الخافض، كما جاء في تفسير الجلالين، والمختار في هذا أن يقدروا الفعل الناصب الذي يقتضيه المعنى كما فعل العكبري محب الدين أبو البقاء (616هـ) في كتابه (البيان في إعراب القرآن) . وقد نحا تفسير الجلالين هذا النحو في قوله تعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها -الروم/ 30"، فلجأ إلى توجيه نصب(فطرة) بتقدير فعل يناسب المعنى فقال: (أي الزموها) ."